المقالات والسياسه والادب

كنف الاستعلاء بين ساكني السماء والقبور داخل الممر الثالث والعشرين

بقلم محمد جابر
كاتب صحفي
عند وصولي إلى الممر الثالث والعشرين تعثرت في خطوتي قليلا وأدركت أنني لا أستطيع الولوج إلى خصوصية هذا الممر تلك الخصوصية بمفهومها الضيق والواسع الأشمل والأعم فهنا لا يقاس الزمن بالساعات بل بالحفلات ولا تحدد المسافات بالكيلومترات بل بمستوى الخصوصية ونوع البحر الذي يشاهد لا الذي يلمس
هنا تتجلى النظرة الفوقية في أبهى صورها مطرزة بالماركات محاطة بالأسوار ومحروسة بحراس لا يبتسمون وما زلت أصف ما يحيط بالمكان وعليك أن تتخيل ما لا يحيط وأن تترك الباقي فهذا يكفي ويزيد
في هذا الممر لا تفتح الأبواب بل تفتح العقول أمام الماسحات الضوئية ولا يسأل الناس عن أسمائهم بل عن أسماء مشروعاتهم العقارية فهنا لا يسيرون على الأرصفة بل يسيرون داخل سياراتهم الفاخرة
يجلسون إلى أرائك مطاعمهم كل شيء هنا يلمع لا لأن النظافة عادة بل لأن الواجهة أهم من الجوهر
العيون تنجذب والعقل يسرح إن لم يكن مألوفا أما إن كنت من أهل هذا الصولجان ولديك أدنى درجات الوعي والفكر فسيستريب إليك الكثير من اللاشيء هنا ستشعر بلا طعم وستدرك أنك تعيش حياة زائفة كل ما فيها مصطنع معلب مغلف بالكثير من الكذب
وإذ بي ألمح أحد أفراد الطبقة الأرستقراطية ممن يعتبرون الساحل الشمالي مقرا دائما للعيش لا مجرد مصيف عابر وبعد جدال فكري وهو أمر طبيعي وصحي فلكل منا فكر مختلف وطبقة منسوب إليها حدثني قائلا
نحن لا نعيش الحياة هنا بل نخرجها في حلقات مصورة حيث تختلط الرفاهية بالفراغ وتبنى المجتمعات على قواعد من أنت ومن معك
فأدركت حينها أنه صادق مع ذاته وكان هذا كافيني فتركته أبحث عن كافيني لعلي أفيق من هذا الزيف
تلك النظرة الفوقية لا تحتاج إلى كلمات يكفي أن تمر بسيارتك المتواضعة بجانب أحد الكمبوندات لتشعر أن صورتك أنت من خلال الزجاج ترفضك وأن الكاميرا عند البوابة تهمس أنت لا تنتمي دخيل دخيل دخيل
سارت بي قدماي أتنقل فإذا بي أشاهد إحدى العائلات من الطبقة المتوسطة وقد استطاعت حجز ليلة في أحد الفنادق بعد أن دفعت كل ما ادخرته طوال العام فقط لتحدث جيرانها عند العودة بأنها زارت الساحل حتى وإن لم تملك ثمن كوب عصير من المطاعم التي لا تعني لها قائمة الأسعار شيئًا
هي طبقة تلهث خلف السراب تحاول أن تكون جزءًا من مشهد لا يقبل بها تجلس على شاطئ بلا مقعد وتبتسم للصور أكثر مما تبتسم للحياة
أما الطبقة الفقيرة فهم أولئك الذين يعملون في صمت داخل المنتجعات يحرسون الأبواب ينظفون المسابح ويغادرون قبل الغروب لأن الساحل ليس لهم يسكنون في مساكن مؤقتة على أطراف الجنة لا يدخلونها إلا للعمل ولا يسمح لهم بالبقاء دقيقة بعدها
أحدهم قال لي نحن نعرف البحر لكن لا نراه ثم ضحك قائلًا وأحيانًا نسمع الموسيقى من بعيد لكنها ليست لنا هكذا يتحول البحر هذا الامتداد الحر إلى ملكية حصرية مغلقة
لم أتوقع أن ألقاها ولم يخطر ببالي لحظة أنها قد تكون ضمن هذا التجمع لكنني وجدتها أمامي إنها قلة ذات اليد في الممر الثالث والعشرين لا يعاملون كمواطنين بل كمجهولين يطلب منهم أن يتواروا خلف الأشجار المزروعة بعناية وأن يهمسوا إن اضطروا للكلام وألا يرفعوا أعينهم نحو أحد فهم ليسوا من جمهور هذا العرض ولن يكونوا يومًا
ما يحدث في هذا الممر ليس ترفا عابرا بل هو مسرح طبقي متكامل مشهد ينتمي إلى زمن لا يشبهنا حيث يقاس الناس لا بما يفكرون ولا بما يقدمون بل بما يملكون ماركات سيارات شقق تطل على مياه محرمة على الكثيرين أما الضحك فهنا يقاس والنظرة تصنف والجلوس له قواعد صارمة والدخول له رموز سرية
ووسط هذا كله سرت في ازدواج تام بين من يملكون كل شيء ومن لا يملكون حتى الحق في السؤال بين من يصنعون عالمهم بأعينهم ومن يطلب منهم أن يغلقوا أعينهم احترامًا للخصوصية
فهل هذا الممر الثالث والعشرون نسخة جديدة من القصور القديمة التي حاصرتها الثورات أم أنه فقاعة ترف جديدة ستنفجر فور أن يمل الجمهور من المشهد أعلم ما أصف وأعي ما أقول
وعلية وفي نهاية الممر يحق لنا أن نسأل كما اعتدنا هل الساحل الشمالي مجرد ممر أم أنه صورة صادمة لممر يتشظى طبقيًا بلا خجل وهل نعيش جميعًا على أرض واحدة أم أن هناك من يعيشون في السماء ويطلبون منا ألا نرفع رؤوسنا
وإلى أن ندرك أنه حق مكتسب عنوة أن نرى النور ونطالع السماء فلنواصل السير إلى الممر الرابع والعشرين
قد تكون صورة ‏‏‏شخص واحد‏، و‏ابتسام‏‏ و‏ساعة يد‏‏

مقالات ذات صلة