المقالات والسياسه والادب

لعبة جهنم كتبت/د/شيماء صبحي

لعبة جهنم

لما الجهل والطمع والاحتياج النفسي يحوّلوا الإنسان لضحية أو مجرم
من أصعب الحاجات في مسلسل «لعبة جهنم» إنه مش مجرد حكاية متألفة عشان نشوفها ونقفل التلفزيون بعدها…
الوجع الحقيقي إن الأحداث حقيقية وقريبة جدًا من حاجات ممكن تحصل حوالينا، وأحيانًا بتحصل فعلًا، بس محدش بيتكلم عنها.
والأصعب عندي مش إن فيه شخص بيغلط…
الأصعب إن حد يدعو لدين ربنا، وفي نفس الوقت حياته مليانة تناقضات.
إزاي واحد بيتكلم عن الدين والأخلاق، وفي نفس الوقت باع كليته، وهان على نفسه، ودخل في علاقات محرمة، وانساق وراء شهواته واحتياجاته؟
هنا لازم نفرّق بين حاجتين مهمين جدًا:
إن الإنسان يكون عنده ضعف وذنوب، وبين إنه يتحول لداعية للناس وهو مش قادر يواجه نفسه.
الإنسان ممكن يغلط ويتوب ويقع ويقوم، وده طبيعي لأننا بشر.
لكن لما تستخدم الدين كوسيلة لكسب المال أو النفوذ أو السيطرة على ناس أضعف منك، هنا الموضوع بقى أخطر بكتير.
لأن الناس الغلابة مش بتسمعك باعتبارك شخص عادي…
هي بتسمعك باعتبارك مرجع.
وممكن كلمة منك تغيّر قرار في حياة إنسان.
وده اللي بيخليني أسأل:
إيه فايدة الفلوس اللي بيجري وراها الإنسان لو خسر صحته وكرامته وقيمه ونفسه؟
الفلوس ممكن تشتري أكل ولبس وبيت…
لكن مش هتشتري لك راحة ضمير.
ومش هترجع لك صحتك لو ضيعتها.
ومش هتقدر تشتري بيها إنسانيتك لو بعتها بإيدك.
الطفل اللي مات… هو الضحية الحقيقية
من أكتر المشاهد اللي بتوجع إن طفل يموت على قيد الشيخ، وكل ده عشان شوية فلوس.
هنا إحنا مش قدام طمع عادي…
إحنا قدام انهيار للضمير الإنساني.
لما الفلوس تخليك تشوف إن حياة إنسان أرخص من المبلغ اللي هتاخده، يبقى المشكلة مش في الفلوس نفسها…
المشكلة إن الإنسان فقد البوصلة اللي بتقول له:
في حاجات ما تتباعش.
حياة طفل ما تتباعش.
كرامة الإنسان ما تتباعش.
الدين ما يتباعش.
والجسد مش سلعة.
نروح بقى للمراهق… وهنا التحليل النفسي أصعب
الشاب المراهق اللي حرّض الشيخ واستغل احتياجه للمال، مش مجرد “ولد شرير”.
وده مش معناه طبعًا إننا نبرر جريمته.
لكن عشان نفهم ونمنع تكرارها، لازم نسأل:
إيه اللي وصّله لكده؟
المراهق في المرحلة دي بيكون لسه بيبني شخصيته، ولسه محتاج يحس إنه مهم، ومسموع، وله قيمة.
والولد ده كان شايل جرح كبير جواه بسبب موت أخوه، وفوق ده كله كان حاسس إن أهله طول الوقت شايفين أخوه أو شايفين التعليم والنجاح أهم منه.
ومع الوقت ممكن الطفل يبدأ يقول لنفسه:
“أنا مش مهم.”
“محدش شايفني.”
“محدش مهتم بيا.”
“أنا لازم أثبت نفسي بأي طريقة.”
وهنا بيظهر الخطر.
لأن الشخص اللي عنده احتياج شديد للتقدير والاهتمام ممكن يبقى سهل جدًا إن حد يستغله.
لو لقى شخص يديله اهتمام…
أو يحسسه إنه ذكي…
أو يقوله “إنت الوحيد اللي فاهم”…
أو يديله فلوس…
ممكن يتعلق بيه جدًا.
وده اسمه نفسيًا التعزيز.
كل مرة يعمل حاجة وياخد مقابلها اهتمام أو فلوس أو إحساس بالقوة، السلوك بيتثبت أكتر.
وهنا حصل الاستغلال النفسي
المراهق عرف يدخل للشيخ من نقطة ضعفه:
المال.
وما اكتفاش إنه يطلب منه حاجة…
ده خلق له حالة من الإغراء النفسي، وخلاه يحس إن الحل قدامه وسهل.
وده نوع خطير من الاستغلال:
إنك تكتشف احتياج شخص…
وبدل ما تساعده يعالج احتياجه، تستخدمه ضده.
ودي حاجة بتحصل في الحياة بأشكال مختلفة جدًا.
حد يستغل احتياج بنت للحب.
حد يستغل احتياج شاب للمال.
حد يستغل شخص محتاج للاهتمام.
حد يستغل شخص ضعيف دينيًا ويبيع له الوهم باسم الدين.
الاستغلال بيبدأ غالبًا من معرفة نقطة ضعف الشخص.
لكن فين كانوا أهل الولد؟
ودي من أهم الرسائل اللي لازم نقف عندها.
أهله أطباء…
يعني المفروض عندهم وعي بالصحة النفسية.
لكن أحيانًا الإنسان ممكن يكون متخصص في علاج الناس، ومش واخد باله إن بيته محتاج علاج واحتواء.
الاهتمام بالتعليم مهم…
والنجاح مهم…
لكن ابنك أهم من درجاته.
مش كل طفل ساكت يبقى بخير.
مش كل طفل شاطر يبقى مستقر نفسيًا.
مش كل ولد مش بيشتكي يبقى مفيهوش مشكلة.
في أطفال بتصرخ من غير صوت.
تغيّر سلوكها…
تنعزل…
تعاند…
تستفز…
تكذب…
تتحدى…
تعمل تصرفات غريبة…
وأحيانًا الأهل بدل ما يسألوا:
“ابني ماله؟”
يسألوا:
“ابني ليه بيعمل كده؟”
وفي فرق كبير جدًا بين السؤالين.
الأول فيه احتواء.
والتاني فيه اتهام.
موت الأخ ممكن يعمل جرح نفسي عميق
فقدان الأخ مش مجرد حدث بيعدي.
خصوصًا لو الطفل حس بعد الوفاة إن البيت كله اتغيّر، وإن المقارنة بينه وبين أخوه بقت أقوى، أو إن كل الاهتمام والحديث بقى عن الأخ الراحل.
الطفل ممكن يحس بالذنب…
ممكن يحس إنه أقل قيمة…
وممكن حتى يشعر بالغيرة ثم يكره نفسه لأنه حس بالغيرة.
وده خليط نفسي صعب جدًا على طفل لسه مش قادر يفهم مشاعره.
عشان كده الحزن عند الأطفال والمراهقين محتاج متابعة، مش مجرد “انسَ وخلاص”.
⸻ طيب نتعلم إيه من كل ده؟
أول حاجة:
ما تصدقش أي شخص لمجرد إنه بيتكلم باسم الدين.
الدين يُحترم…
لكن الأشخاص بشر.
اسمع النصيحة، وراجع مصدرها، وما تسلّمش عقلك لأي حد.
ثاني حاجة:
ما تخليش احتياجك للمال يلغي عقلك.
الفقر صعب جدًا، وأنا مش بلوم الإنسان المحتاج.
لكن لازم نعرف إن المحتاج أحيانًا بيكون أكثر عرضة للاستغلال.
أي حد يقولك:
“اعمل كذا وهتكسب بسرعة.”
قف.
فكر.
اسأل.
استشير شخص تثق فيه.
ثالث حاجة:
علّم أولادك إن الفلوس مش أهم من حياتهم.
ما تخليش ابنك يحس إن قيمته في درجاته.
ولا في شغله.
ولا في شكله.
ولا في إنه يطلع أحسن من غيره.
خليه يعرف إن قيمته الأساسية إنه إنسان.
رابع حاجة:
راقب التغيرات النفسية في أولادك.
لو ابنك اتغير فجأة…
لو بقى منعزل…
لو بقى عدواني…
لو بدأ يكذب بشكل غير معتاد…
لو بقى مهووس بالفلوس…
لو بدأ يدخل في علاقات مش مفهومة…
ما تبدأش بالصوت العالي والعقاب.
ابدأ بسؤال:
“إنت مالك؟ أنا حاسس إن في حاجة مضايقاك.”
خامس حاجة:
علّم أولادك إن طلب المساعدة مش ضعف.
لو ابني عنده مشكلة نفسية، مش عيب.
لو محتاج أخصائي، مش عيب.
لو مش قادر يتعامل مع حزنه، مش عيب.
العيب إننا نشوفه بيغرق ونفضل نقوله:
“إنت راجل… استحمل.”
وفي النهاية…
«لعبة جهنم» مش مخيفة عشان فيها شخصيات شريرة.
هي مخيفة لأنها بتورينا إزاي الإنسان ممكن يبدأ بخطوة صغيرة جدًا…
احتياج…
طمع…
جرح قديم…
إهمال…
رغبة في إثبات الذات…
وبعدها خطوة ورا خطوة، يلاقي نفسه دخل في مكان ما كانش يتخيل يومًا إنه هيوصله.
وعشان كده، متستهونش بجرح طفل.
متستهونش باحتياج شخص للفلوس.
متستهونش بإنسان بيدور على الحب.
ومتستهونش أبدًا بكلمة بتقولها باسم الدين.
لأن الكلمة اللي إنت شايفها بسيطة…
ممكن إنسان تاني يبني عليها قرار عمره كله.
والفلوس اللي جريت وراها النهارده، ممكن تكون هي نفسها السبب إنك تخسر أغلى حاجة عندك بكرة: نفسك.
وأهم درس:

ربّوا أولادكم على الدين… بس ربّوهم كمان على التفكير.

علموهم الصح والغلط… بس علموهم يسألوا ويفهموا.

اهتموا بتعليمهم… بس ما تنسوش قلوبهم.

لأن الطفل اللي محدش بيسمعه في البيت، ممكن يسمع لأول شخص يعرف يلمس وجعه برّه البيت.

عرض أقل

مقالات ذات صلة