المقالات والسياسه والادب

‏لم يرحلْ؛

الكاتبة إيمان نجار

‏لم يرحلْ؛
‏بل انطفأَ فيَّ،
‏وبقيتُ أتحسّسُ العتمةَ بأصابعي،
‏كأنّي أبحثُ عن شيءٍ أعرفُ أنّه لن يعود.
‏منذُ غيابه،
‏ثمّةَ مكانٌ في داخلي
‏لا يصلحُ للسكن،
‏ولا أعرفُ كيفَ أُسمّيه؛
‏كلُّ ما أعرفهُ أنّه يؤلمني كلّما مررتُ به.
‏صارَ للغيابِ صوتٌ،
‏لكنّهُ لا يُسمَع؛
‏يظهرُ فجأةً في الأشياءِ التي لا تقولُ شيئًا،
‏في ضحكةٍ تتوقّفُ قبلَ أن تبلغَ آخرَها،
‏وفي مساءٍ يطولُ أكثرَ ممّا ينبغي.
‏حتى ذاكرتي خانتني؛
‏لم تعدْ تحتفظُ بملامحهِ كما كانت،
‏احتفظتْ بالأثرِ الذي تركهُ حينَ مرَّ من هنا.
‏ألتفتُ أحيانًا إلى الجهةِ التي كان يجلسُ فيها،
‏لا لأنّي أنتظرُه،
‏بل لأنَّ بعضَ الأماكنِ تُتقنُ الكذب؛
‏تُبقي هيئتهُ كاملةً،
‏ثم تتركُك تكتشفُ الفراغَ وحدك.
‏والكرسيُّ الذي كان يعرفُ جسده،
‏ما زالَ واقفًا كأنّهُ ينتظرُ تفسيرًا لغيابه.
‏والطريقُ الذي مشيناهُ معًا
‏صارَ أطولَ منذُ أن مشيتُه وحدي.
‏حتّى الأغنيةُ التي أحببناها
‏تصلني كلَّ ليلةٍ متأخرةً،
‏كأنّها تحملُ خبرًا لم يعدْ ينفعُ سماعه.
‏وأحيانًا،
‏تمرُّ رائحةٌ تشبهه،
‏أو صوتٌ يسرقُ نبرتهُ للحظة،
‏فأشعرُ أنَّ شيئًا في داخلي
‏يفتحُ البابَ على عجل،
‏ثم يتذكّرُ أنَّهُ لا أحدَ في الخارج.
‏كنتُ أظنُّ أنَّ النجاةَ تعني أن أنساه؛
‏ثم اكتشفتُ أنَّ بعضَ الحكاياتِ لا تنتهي،
‏إنّها فقط تتعلّمُ كيفَ تُخفي نزيفها تحتَ الملابس.
‏ومنذُ ذلك الوقت،
‏لم أفقدْه وحده؛
‏شيءٌ منّي خرجَ معهُ ولم يعد.
‏المرأةُ التي كانت تضحكُ دونَ أن تحسبَ ثمنَ الضحكة،
‏والقلبُ الذي كان يصدّقُ أنَّ الأشياءَ الجميلةَ إذا أحببناها بما يكفي
‏ستجدُ طريقةً للبقاء.
‏ربّما لهذا
‏كلّما ضاقَ بي العالم،
‏أشعرُ أنَّ في داخلي مقعدًا واحدًا
‏ما زالَ شاغرًا منذُ غيابه.
‏لا أعرفُ لماذا أتركهُ فارغًا،
‏ولا لمن.
‏لكنّي أعرفُ أنّني،
‏كلّما تعبتُ من حملِ هذا العالم،
‏أبحثُ عنهُ في الجهةِ نفسها.
‏اشتقتُ إليه…
‏لا كمن ينتظرُ عودته،
‏بل كمن اكتشفَ متأخرًا
‏أنَّ بعضَ الغيابِ لا يأخذُ الأشخاصَ من حياتنا،
‏بل يتركُهم فيها
‏بطريقةٍ لا نستطيعُ النجاةَ منها.
‏

مقالات ذات صلة