لم يرحلْ؛ بل انطفأَ فيَّ، وبقيتُ أتحسّسُ العتمةَ بأصابعي، كأنّي أبحثُ عن شيءٍ أعرفُ أنّه لن يعود. منذُ غيابه، ثمّةَ مكانٌ في داخلي لا يصلحُ للسكن، ولا أعرفُ كيفَ أُسمّيه؛ كلُّ ما أعرفهُ أنّه يؤلمني كلّما مررتُ به. صارَ للغيابِ صوتٌ، لكنّهُ لا يُسمَع؛ يظهرُ فجأةً في الأشياءِ التي لا تقولُ شيئًا، في ضحكةٍ تتوقّفُ قبلَ أن تبلغَ آخرَها، وفي مساءٍ يطولُ أكثرَ ممّا ينبغي. حتى ذاكرتي خانتني؛ لم تعدْ تحتفظُ بملامحهِ كما كانت، احتفظتْ بالأثرِ الذي تركهُ حينَ مرَّ من هنا. ألتفتُ أحيانًا إلى الجهةِ التي كان يجلسُ فيها، لا لأنّي أنتظرُه، بل لأنَّ بعضَ الأماكنِ تُتقنُ الكذب؛ تُبقي هيئتهُ كاملةً، ثم تتركُك تكتشفُ الفراغَ وحدك. والكرسيُّ الذي كان يعرفُ جسده، ما زالَ واقفًا كأنّهُ ينتظرُ تفسيرًا لغيابه. والطريقُ الذي مشيناهُ معًا صارَ أطولَ منذُ أن مشيتُه وحدي. حتّى الأغنيةُ التي أحببناها تصلني كلَّ ليلةٍ متأخرةً، كأنّها تحملُ خبرًا لم يعدْ ينفعُ سماعه. وأحيانًا، تمرُّ رائحةٌ تشبهه، أو صوتٌ يسرقُ نبرتهُ للحظة، فأشعرُ أنَّ شيئًا في داخلي يفتحُ البابَ على عجل، ثم يتذكّرُ أنَّهُ لا أحدَ في الخارج. كنتُ أظنُّ أنَّ النجاةَ تعني أن أنساه؛ ثم اكتشفتُ أنَّ بعضَ الحكاياتِ لا تنتهي، إنّها فقط تتعلّمُ كيفَ تُخفي نزيفها تحتَ الملابس. ومنذُ ذلك الوقت، لم أفقدْه وحده؛ شيءٌ منّي خرجَ معهُ ولم يعد. المرأةُ التي كانت تضحكُ دونَ أن تحسبَ ثمنَ الضحكة، والقلبُ الذي كان يصدّقُ أنَّ الأشياءَ الجميلةَ إذا أحببناها بما يكفي ستجدُ طريقةً للبقاء. ربّما لهذا كلّما ضاقَ بي العالم، أشعرُ أنَّ في داخلي مقعدًا واحدًا ما زالَ شاغرًا منذُ غيابه. لا أعرفُ لماذا أتركهُ فارغًا، ولا لمن. لكنّي أعرفُ أنّني، كلّما تعبتُ من حملِ هذا العالم، أبحثُ عنهُ في الجهةِ نفسها. اشتقتُ إليه... لا كمن ينتظرُ عودته، بل كمن اكتشفَ متأخرًا أنَّ بعضَ الغيابِ لا يأخذُ الأشخاصَ من حياتنا، بل يتركُهم فيها بطريقةٍ لا نستطيعُ النجاةَ منها.