ما أغرب القلب حين يخجل كلما قلتُ إنني تجاوزتُكَ أعادني صوتُكَ إلى أول ارتباك كأن قلبي لم يتعلّم من الغياب إلا كيف ينتظرك تجيءُ عابرًا بسؤالٍ صغير كيف حالكِ؟ فتنهض في صدري مدنٌ من الحنين وتضيقُ بي الإجابة أقول بخير وفي داخلي ألفُ بابٍ موصد وخلف كل بابٍ امرأةٌ تخبئ اسمك عن العالم وتناديك سرًّا ما أغرب القلب حين يحترف إنكار ما يحب وحين يضع على شفتيه قفلًا وتظل عيناه نافذتين على الطريق الذي قد تأتي منه أأحبك؟ أم أنني أخشى أن أحبك فأمنحك من روحي موضعًا لا أعرف كيف أسترده إذا مضيت؟ أخاف اقترابك لأن المسافة بيننا على قسوتها كانت تستر رعشة قلبي وتمنح كبريائي وقتًا كافيًا ليتظاهر بالقوة وأخاف ابتعادك لأن الجهات التي لا تقود إليك تبدو كأنها خرائط رسمها الغياب ثم محا منها أسماء الوصول أنت لا تدري أن صوتك حين يهبط في أذني تضطرب الأشياء من حولي ويصير فنجان القهوة أثقل من يدي وتنسى الحروف ترتيبها كأن اللغة كلها تواطأت مع قلبي كيلا أقول الحقيقة تسألني عن يومي فأبحث في روحي عن جواب وأعود إليك بكلمةٍ باردة لا تشبه النار التي أشعلتها أقول لا شيء وفي داخلي أشياء لو خرجت دفعةً واحدة لأغرقت المسافة بيننا ولما بقي من صمتي ما يكفي لإنقاذي يا رجلًا يسكنني ولا يعرف أيَّ بابٍ دخل كيف أشرح لك هذا التناقض؟ كيف أكون المشتاقة وأرتبك من اعترافك بالاشتياق؟ كيف أتمنى أن تقترب ثم أرتجف حين تقترب؟ وكيف أخشى أن تفلت يدي من يدك وأنا التي لم تمدها إليك بعد؟ لستُ أخاف الحب ولكنني أخاف الطريق إليه أخاف أن أبلغ قلبك بعد أن أكون قد تركت على الطريق ما لا يعوّضه الرجوع أخاف أن نصير حكايةً تخجل الذاكرة من روايتها وأن يجيء يومٌ أسمع فيه صوتك فلا يرتجف في صدري شيء ولا أعرف كيف أودّع ما عشت عمري أخشى فقدانه ومع ذلك كلما هممتُ بإغلاق نافذتي تركتُ فيها شقًّا صغيرًا لعلَّ المساء يحمل صوتك ولعلَّ قلبًا أتعبه التمنّع يتعلّم أخيرًا كيف يقول نعم فقل لي أيُّنا يختبئ خلف الآخر؟ أأنت الذي تخشى انكشاف قلبك أم أنا التي تلبس كبرياءها كيلا يراها الحنين عاريةً من الصبر؟ لا تجبني عن الحب بكلماتٍ تشبه اليقين ولا تعدني بسماءٍ لا تعرف كيف تصون نجومها اقترب بصدق أو ابتعد بوضوح فأنا لا أخشى الحقيقة بقدر ما أخشى أن أظل معلّقةً بين وعدٍ لا يكتمل وقلبٍ لا يملك شجاعة الرحيل أما الآن فكل ما أملكه أن أسمعك تقول: مساء الخير فأرتبك كأنك جئت من عمرٍ بعيد وأردُّ السلام بصوتٍ لا يكشف شيئًا ثم أعود إلى وحدتي لأواجه السؤال الذي لا يهدأ: هل أحببتك حقًّا أم أنني كلما حاولتُ النجاة منك اكتشفتُ أنني أخشى الحياة التي لا تكون فيها؟ وأغمض عينيَّ كي لا أرى الجواب فبعض الاعترافات لا تحتاج إلى لسان يكفي أن ترتجف الروح كلما قال الحبيب: مساء الخير د.هدى عبده