المقالات والسياسه والادب

ما عشقنا العزلة إلا من خبث البشر

ما عشقنا العزلة إلا من خبث البشر

كتبت/ د/ شيماء صبحي 

فيه وقت في حياة كل واحد فينا بيكتشف إن العُزلة مش دايمًا ضعف.. بالعكس، ساعات بتبقى النجاة الوحيدة اللي فاضلة له.

مش بنبعد عشان إحنا متكبرين، ولا عشان زهقنا من الناس، لكن عشان اتلسعنا بما فيه الكفاية، ووجعنا من ناس كنا فاكرينهم سند، وطلعوا خنجر في الضهر.

اللي بيعشق العُزلة مش حد غريب الأطوار، ده حد تعب من الوجوه اللي تبتسم وهي بتخفي نية، ومن الكلام اللي كله مجاملات وشكليات، ومن العلاقات اللي شكلها حب واهتمام، وجوّها استغلال وغيرة ونفاق.

اللي اختار العُزلة اختار يهدى.. اختار يعيش بسلام حتى لو لوحده، بدل ما يعيش وسط دوشة مليانة وجع.

أوقات بتحس إنك مش قادر تشرح سبب بعدك..

بس جواك بتقول: “ما عشقتش العُزلة من فراغ، عشقتها من كُتر الخُذلان.”

لما تبقى كل مرة تفتح فيها قلبك حد يدخل يخبط فيه برجله، طبيعي تسحبه وتقفله بالمفتاح.

ولما تتكلم بصدق ويتاخد كلامك ضدك، طبيعي تسكت وتختار الصمت.

ولما تبدي نيتك الطيبة ويتفسر ده ضعف، طبيعي تتقوقع وتعيش في عالمك الصغير اللي مفيهوش غير نفسك وربك.

العُزلة علمتنا نرتاح، علمتنا إن السلام مش دايمًا في الصحبة، أوقات بيكون في الوحدة.

علمتنا إن مفيش حد يستحق تضيّع طاقتك في إثبات نيتك ليه.

اللي عايز يفهمك هيفهمك من غير شرح، واللي ناوي يؤذيك هيفسّر كل خير فيك على إنه شر.

يمكن زمان كنا بنخاف من الوَحدة، بنجري نملأها بأي علاقة..

دلوقتي بقينا نحبها، بقينا نرتاح فيها، بقينا نحس إنها بيتنا اللي مفيهوش خيانة ولا تمثيل.

العُزلة بقت علاج.. بقت طريقة إنك ترجّع نفسك بعد ما الناس كسّرتك قطعة قطعة.

التحليل النفسي

حب العُزلة بعد الصدمات مش طبع مولود، ده آلية دفاع نفسي.

الشخص اللي بيتأذى من تكرار الخُذلان بيبدأ يبني حول نفسه “جدار أمان” من الصمت والبعد.

وده نوع من الحماية الذاتية.. النفس بتقول “كفاية وجع، خليني بعيد”.

لكن الخط الفاصل بين “الراحة في العُزلة” و”الهروب من العالم” رفيع جدًا.

لو زادت العُزلة عن حدّها، ممكن تتحول من حماية لعُزلة مرضية اكتئاب مقنّع أو فقدان ثقة كامل بالبشر.

التوازن هو الحل:

انعزل لما تحس إنك محتاج تهدأ وتستعيد طاقتك، لكن ارجع تاني للحياة لما تهدى.

اقعد مع نفسك، بس ما تكرهش الناس كلها.

الوجع بيعدّي، لكن خُبث البشر مش مبرر إننا نحرم نفسنا من وجود الطيبين.

النهاية 

كان في مرة راجل كل ما يثق في حد، يتلسع.

كل ما يفتح بابه لحد، يخرج منه مكسور أكتر.

لحد ما في يوم، قفل باب بيته، وعلّق على الباب لافتة مكتوب فيها:

“مفيش دخول بعد النهارده، القلوب اتملت وجع.”

قعد سنين لوحده، بيكلم نفسه، بيضحك على صمته، وبيقول “أنا مرتاح”.

لكن في يوم، سمع صوت طفل صغير بيخبط على بابه، بيقوله:

 “عمو، أنا تايه ومش لاقي حد يسمعني.”

اتردد، بص للباب وهو متخوف، بس قلبه وجعه.. فتح الباب بهدوء.

ساعتها فهم إن العُزلة كانت استراحة، مش نهاية.

وإن حتى بعد خُبث البشر، لسه في أرواح طيبة تستحق فرصة.

رجع للناس، بس المرة دي بعقل صاحي وقلب حذر..

مش علشان يختبرهم، لكن علشان ما يضيعش نفسه تاني.

ومن اليوم ده، اتعلّم إن العُزلة مش جدار يخبّينا،

لكن مَكان نرجع له لما الدنيا توجعنا..

 

نستعيد فيه نفسنا، ونرجع نكمّل من غير خوف.

مقالات ذات صلة