المقالات والسياسه والادب

ما كان لك ستأخذه 

بقلم: د. تامر عبد القادر عمار
ما كان لك ستأخذه 
يركض الناس في هذا الزمن بلا هوادة، خلف الفرص، والرزق، والمناصب، وأحلامهم المؤجلة، يتردّد في الآذان صوتٌ خافت، عميق، يشبه الحكمة القديمة:
“ما كان لك… لن يفوتك، وما فاتك… لم يكن لك.”
قد تبدو هذه العبارة مجرد عزاء بسيط لتسكين ألم الفقد أو الفشل، لكنها في حقيقتها منظومة فلسفية عميقة، قائمة على الإيمان بالتوازن الكوني، والعدل الإلهي، والنُضج الإنساني.
وفي زمن تسوده المقارنات، والتسارع، والمنافسة اللاهثة، لعلنا نحتاج إلى إعادة قراءة هذه المقولة – لا باعتبارها استسلامًا، بل كوعيٍ سامٍ بمكاننا في هذا الكون، ودورنا في تشكيل مصائرنا.
فمن الخطأ أن نفهم “ما كان لك ستأخذه” على أنها دعوة للركون أو الكسل.
الكون لا يهب شيئًا لمن لا يسعى، ولا يكافئ التراخي ولا يعترف بالتمني الخامل.
لكن في المقابل، لا تُقاس النتائج دومًا بمقدار الجهد ،كم من مجتهد لم يُنصف، وكم من موهوب تجاهله الضوء، وكم من شريف فاته المقعد، رغم استحقاقه له؟
هنا يتدخل قانونٌ أسمى… يُسمى بـ “الاستحقاق المؤجَّل”.
فأنت لا تُحرَم، بل تُؤجَّل. لا تُقصى، بل تُمهَّد لك طريقٌ آخر… أوسع، أنسب، وأبقى.
نجد انه عند مفترق كل خيبة، نقف حائرين: هل فشلنا؟ أم فشلنا في أن نرى ما هو أفضل لنا؟
عندما يُرفض طلب عمل كنت تحلم به، أو تخسر مشروعًا بذلت فيه روحك، أو يغلق باب كنت تظنه خلاصك… اسأل نفسك بصدق:
هل ضاع مني شيء… أم انفتح لي شيء لم أكن أراه؟
الواقع يخبرنا أن كثيرًا من الفقد لم يكن إلا حماية، وكثيرًا من الإقصاء لم يكن إلا تمهيدًا، وكثيرًا من التأخير لم يكن إلا ترتيبًا أعلى من توقعاتنا.
فما كان لك… سيأتيك، ولو بعد حين.
وسيأتيك بهدوء، حين تتهيأ لاستقباله، لا حين تتعلق به بجنون، فهذه ارادة الله في خلقه .. كن على يقين بذلك ،كونك تؤمن بأن نصيبك محفوظ، لا يعني أن تتنازل عن طموحك.
بل يعني أن تعمل من موقعك، وتزرع بكل طاقتك، وتترك للقدر مساحة ليكمل المسار.
أن تؤمن بأنك لا تأخذ إلا ما تستحقه، ولا تُمنع إلا عمّا لم يكن لك، هو وعيٌ ناضج بأن الكون لا يخطئ في التوزيع، لكنه يختبرك في الصبر، ويربيك في التوقيت.
ولعلّ أكثر ما يُرهق الإنسان اليوم، هو ظنه أنه يجب أن يأخذ كل شيء، وفي وقتٍ واحد.
بينما الحقيقة أن الحياة موزعة بتوازن دقيق:
ما يأتيك الآن… لم يكن يصلح قبل عام، وما يُؤجل عنك… لا يعني أنه رُفض، بل قد يُعاد إليك في توقيتٍ تكتشف فيه أنك أصبحت أقوى.
قد يسأل سائل:
وماذا عن من حُرم من حقه؟ أو سُرقت منه فرصته؟ أو عاش في بيئة لا تتيح له العدل؟
والإجابة هنا ليست عاطفية، بل واقعية وإنسانية:
ما كان لك… سيُردّ لك، إما في حياة، أو في تعويض، أو في درس يصنع منك منارة.
فلا شيء يضيع عند الله، ولا عند الكون، إن كنت من أهل السعي الصادق والنية الطيبة.
بل كثيرًا ما يكون ما سُلب منك سببًا في يقظتك، وما فُقد منك دافعًا لاكتشاف قدرات لم تكن تعلم أنك تملكها.
وهنا نصل عزيزي للقارئ ليعضٍ من أمثلة من الواقع… ورسائل من الحياة
• الطالب الذي رسب عامًا، فدخل تخصصًا آخر كان سببًا في نبوغه.
• الموظف الذي خسر ترقية، فتح بعدها شركته الخاصة وصنع اسمه من الصفر.
• العلاقة التي فشلت، فأنقذت الطرفين من حياة لا تليق، وأعادت لكلٍّ منهما كرامته.
هؤلاء لم تُهزمهم الخسارة، لأنهم آمنوا أن ما هو لهم… سيعود إليهم، وربما بأفضل مما كانوا يتمنون.
واخيرا “ما كان لك… ستأخذه.”
ليست شعارًا للتواكل، بل قانون حياةٍ عادل.
يُعلّمنا أن السعي لا يضيع، وأن التوقيت له حكمة، وأن الحق لا يُمحى، حتى وإن تأخر ظهوره.
فلا تيأس إن سُدّ باب، ولا تنهزم إن تأخر الحصاد.
كل خطوة تخطوها بإخلاص، تُحسب لك، وإن لم ترَ نتائجها الآن.
ثِق أن يد الله بقدرك لا تُخطئ، وأن رزقك محفوظ باسمك، لا يقدر أحد على سلبه، ولا تستطيع عَجَلة الحياة أن تدفعه لغيرك.
فقط… امشِ بصدق، وازرع بنية، ودع النتائج تأتيك كما يليق بك.
فما كان لك… سيأتيك، حين تنضج لاستقباله،
ولا تنسَ أبدًا:
الكون لا يُهدر جهدًا صادقًا، ولا الله يُضيّع من عمل خيرًا… ولو بقلبه

د. تامر عبد القادر عمار

كاتب صحفي

خبير التسويق والتخطيط الاستراتيجي

مهتم بقضايات التنمية والعلاقات الانسانية

لايف كوتش السعادة

مقالات ذات صلة