المقالات والسياسه والادب

محمود السنكري يكتب: الإنسانية والرحمة

محمود السنكري 

الإنسانية ليست شعارًا يُرفع في المناسبات ولا كلماتٍ تُقال لإظهار الرقي والتحضر بل هي جوهر الوجود الإنساني والأساس الذي تُبنى عليه الحضارات والمقياس الحقيقي لقيمة الإنسان.

فكل تقدم علمي أو اقتصادي أو تقني يفقد معناه إذا خلا من الإنسانية لأن الإنسان خُلق ليعمر الأرض بالخير ويجعل من الرحمة منهجًا ومن العدل طريقًا ومن احترام الكرامة الإنسانية رسالة لا تتبدل.

 

والرحمة ليست ضعفًا كما يظن البعض بل هي من أعظم صور القوة لأنها تنبع من قلب قادر على احتواء الآخرين وتجاوز أخطائهم والنظر إلى آلامهم بعين العطف لا بعين القسوة.

إنها قيمة أخلاقية سامية تُهذب النفوس وتزرع الطمأنينة وتمنح المجتمع تماسكًا لا تستطيع القوانين وحدها أن تصنعه.

 

إن المجتمعات التي تسودها الرحمة تنخفض فيها مشاعر الكراهية ويقل فيها الظلم وتزدهر فيها قيم التعاون والتكافل، فالإنسان الرحيم لا ينظر إلى الناس من زاوية مصالحه بل يدرك أن لكل إنسان قصةً قد لا يعلمها ومعاناةً قد لا يراها لذلك يختار اللين حيث يستطيع والعفو حين يكون العفو إصلاحًا والمساعدة كلما وجد إليها سبيلًا.

 

لقد جعلت الأديان السماوية الرحمة أساسًا للعلاقات الإنسانية وأكدت أن قيمة الإنسان لا تُقاس بما يملك من مال أو جاه أو سلطان وإنما بما يحمله قلبه من خير وما يقدمه من نفع للناس. وقد قال النبي محمد ﷺ: “الراحمون يرحمهم الرحمن ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء.” فكانت الرحمة منهج حياة لا موقفًا عابرًا وسلوكًا دائمًا يمتد إلى الإنسان والحيوان والبيئة وكل مظاهر الحياة.

 

وليس المقصود بالرحمة العطاء المادي فحسب فقد تكون كلمة صادقة سببًا في إنقاذ روح من اليأس وابتسامة مخلصة تعيد الأمل إلى قلب أنهكته الأيام واستماعٌ باهتمام يخفف عن إنسان ما عجز المال عن تخفيفه، فكم من نفوس أرهقتها الحياة كانت في حاجة إلى من يشعر بها أكثر من حاجتها إلى من ينفق عليها.

 

وفي المقابل فإن غياب الإنسانية يفتح أبواب القسوة والأنانية والاستغلال ويحوّل العلاقات إلى مصالح مؤقتة ويجعل الإنسان يفقد إحساسه بمن حوله حتى يصبح الألم مشهدًا عاديًا لا يحرك فيه شعورًا وعندما تموت الرحمة في القلوب تتراجع القيم ويضعف الانتماء ويصبح المجتمع أكثر هشاشة مهما بلغ من القوة المادية.

 

إن الإنسانية لا تظهر في أوقات الرخاء فقط بل تتجلى حقيقتها في أوقات الأزمات حين يختبر الإنسان ضميره ويختار بين أن يكون سببًا في تخفيف الألم أو سببًا في زيادته، وهناك تتجسد أعظم صور النبل حين تمتد يدٌ لتعين محتاجًا أو يُرفع ظلم عن مظلوم أو تُصان كرامة إنسان دون انتظار مقابل.

 

ولعل أعظم أثر يتركه الإنسان بعد رحيله ليس ما جمعه من ثروة ولا ما ناله من مناصب وإنما ما غرسه من خير في قلوب الناس وما نشره من رحمة وما تركه من مواقف نبيلة تبقى حية في الذاكرة.

فالسنوات تمضي والمناصب تزول والأموال تتبدد أما الأثر الإنساني الصادق فيظل خالدًا في النفوس تتناقله الأجيال بوصفه قيمة تستحق الاقتداء.

 

إن عالمنا اليوم رغم ما يشهده من تقدم علمي وتقني غير مسبوق لا يزال في أمسّ الحاجة إلى إحياء الضمير الإنساني وترسيخ ثقافة الرحمة وتعزيز قيم الاحترام والتسامح والتكافل.

فالحضارة الحقيقية ليست فيما نبنيه من عمران وإنما فيما نبنيه من إنسان لأن الإنسان هو الغاية وهو الوسيلة وهو الثروة التي لا تقدر بثمن.

 

فلنجعل الرحمة أسلوبًا في تعاملنا والإنسانية ميزانًا لأحكامنا ولنؤمن أن الكلمة الطيبة صدقة وأن العدل رحمة وأن احترام الإنسان هو احترام للحياة نفسها، فكل عمل إنساني صادق مهما بدا صغيرًا قد يغير حياة إنسان وكل موقف رحيم يضيء جزءًا من هذا العالم الذي أنهكته القسوة.

 

ستظل الإنسانية والرحمة أعظم ما يميز الإنسان عن غيره وأبقى ما يتركه خلفه من أثر، وإذا أردنا مستقبلًا أكثر أمنًا وسلامًا واستقرارًا فلن يتحقق ذلك إلا بقلوب تعرف الرحمة وعقول تؤمن بالعدل ونفوس تدرك أن قيمة الإنسان الحقيقية ليست فيما يملك بل فيما يمنح من خير ومحبة ورحمة.

 

فإن الإنسانية والرحمة ليستا خيارًا بين خيارات الحياة بل هما روح الحياة نفسها وبدونهما يفقد الإنسان أعظم ما يملكه… إنسانيته.

مقالات ذات صلة