المقالات والسياسه والادب

مقامُ المرايا بقلمي هدى عبده

مقامُ المرايا

ما عدت أسأل من أكون… فكل درب كان يعيد خطاي إلى خطاي.

وكل وجه ظننته نافذتي كان مرآة تعكس وجهي ثم تمضي باختفاي.

أبحرت في اسمي سنينا، أقيس ظلي بامتداد الريح، وأستعير من النجوم خرائط التيه الطويل.

وكانت الأرض تبدل جلد الجهات، فلا وصول… ولا الرحيل.

حتى تعبت من مطاردة المعاني، وألقيت عن كتفيَّ عباءة الأسئلة القديمة.

هنالك… أدركت أن الحقيقة لا تولد في الطرقات، بل تنبت في الحقل الذي أهملته داخل قلبي.

فرأيت روحي شجرة تسقي جذورها من غيمها، وتُضيء أوراقها بما يفيض من يقينها.

وعرفت أن الإنسان ليس ما يقوله الناس عنه، ولا ما يكتبه الزمن على ملامحه، بل ذلك السر الذي يبقى حيا حين يتساقط كل شيء.

فلا البحر كان يبحث عن شاطئٍ، ولا النجوم كانت تنتظر سماءً أخرى.

كل الأشياء كانت تؤدي رحلتها نحو ذاتها، وأنا وحدي كنت أظن أنني غريب عن نفسي.

وحين تصالحت مع كسوري، صارت جراحِي نوافذ للنور، وصار الحنين سلّما يصعد بي إلى اتساعي.

ومنذ تلك اللحظة لم أعد أبحث عن اسمي في أفواه العابرين.

صرت إذا ضاق العالم فتحت قلبي، فأجد فيه وطنا لا تغادره الروح.

وأيقنت أن أطول الرحلات ليست بين مدينةٍ ومدينة، ولا بين بحرٍ وبحرٍ،

بل بين الإنسان… ونفسه.

ومن يصل إلى نفسه مرة واحدةً،

يصل إلى الكون كله

د. هدى عبده

مقالات ذات صلة