المقالات والسياسه والادب
مكتبة الأثير فى محرم بك

بقلم الصحفى و الروائى/ محمد سعيد اللبانى
مكتبة الأثير فى محرم بك
قصة قصيرة
في زقاق دافئ من أزقة حى محرم بك بالإسكندرية حيث تتشابك روائح الخشب القديم والكتب المستعملة مع عبق البحر والتاريخ كان عم صابر يقضي أيامه بين جدران مكتبته الصغيرة المتهالكة الأثر.
لم تكن المكتبة مجرد متجر لبيع الورق بل كانت مرسى لكل قلب أرهقه صخب المدينة ومأوى لكل باحث عن كلمة صادقة.
طوال عقود أربعة اعتاد عم صابر أن يفتح بابه مع أول ضوء للصبح لا ليحصي أرباحه بل ليوزع السكينة والأمل على روادها مقدماً أصدقاء الدرب والشباب على مكسبه المادي تجسيداً لكرم نبيل غرسه في وجدان الجميع.
وكان ابنه الشاب مصطفى يشارك أباه تفاصيل هذا العالم الورقي الهادئ تجمعهما جلسة مسائية مقدسة بعد صلاة العشاء على مقاعد خشبية عتيقة أمام المكتبة حيث يتناولان مشروبهما الساخن ليخوضا معاً في نقاشات عميقة عن أسرار الحياة ووصايا الأقدمين.
لكن الأيام لا تقف عند وتيرة واحدة فمرت الشهور ثقيلة حتى داهمت الشيخ الجليل وعكة صحية أخفته عن مقعده المعتاد حتى غادر إلى عالم الرحمة الأوسع تاركاً خلفه إرثاً عظيماً من الأثر الطيب.
في صباح اليوم التالي لرحيله وقف مصطفى وحيداً أمام باب المكتبة المغلق يشعر ببرودة الوحشة تملأ المكان.
لكنه ما إن فتح الباب ودخل حتى وجد على الطاولة كتاباً قديماً فتحه أبوه وتوقف عند صفحة معينة وخط عليها بخطه الأنيق: الدفء لا يرحل مع الغائبين يا بني بل يسكن في الأثر الطيب.
لم يكن ذلك الخاطر سوى البداية.
وحين أعيد ترتيب الأرفف الخلفية سقط كتاب جلد قديم مغمور بالغبار وتساقطت منه خريطة يدوية ومفتاح نحاسي ثقيل وعبارة غامضة: الكنز ليس فيما نبيعه بل فيما تخفيه أزقة هذه المدينة.
قادت الخريطة مصطفى عبر محطات تاريخية مذهلة من نقوش مقابر لاتين الشاطبي إلى مقهى عتيق بالمنشية وصولاً إلى فجوة حجرية سرية في السراديب المائية تحت قلعة قايتباي.
وهناك في قلب العتمة وعبق التاريخ عثر مصطفى على صندوق معدني يضم الأرشيف السري لوالده: دفاتر سوداء تحكي عن حراسة ذاكرة الإسكندرية ووثائق نادرة لمهندسي الفنار المفقود ورسائل فلسفية منسية تؤكد أن تراث المدينة لم يُمحَ أبداً.
لم يكتفِ مصطفى بالصدمة أو الذهول بل قرر أن يتحول من حافظ للماضي إلى صانع للمستقبل.
استثمر تلك الوثائق والكنوز ليجري تحولاً جذرياً في مكتبة الأثر فدمج طرازه الخشبي العتيق بتقنيات العرض الرقمي الحديثة وأسس موسوعة الذاكرة السكندرية بالتعاون مع الجامعات والباحثين وأطلق صالون ابن صابر الثقافي ليكون منارة للشباب والكتاب.
وفي ليلة افتتاح المشروع الثقافي الكبير غص الشارع بأهالي الإسكندرية والمثقفين والشباب الذين أتوا للاحتفال بهذه الانطلاقة.
وقف مصطفى على عتبة المكتبة ينظر إلى الحشود الضاحكة والمضاءة بوهج الأنوار فشعر فجأة بنسمة رقيقة محملة برائحة المشروب الساخن الذى كان يتناوله مع والده تداعب وجنتيه.
التفت برهة فكأنما رأى طيف أبيه يبتسم له برضا من بعيد هامساً في أذنه أن النور الذي زرعاه معاً لم ينطفئ قط بل امتد ليبقى حياً في روح المدينة إلى الأبد.



