المقالات والسياسه والادب

من سيحمي ياسين القادم حين يُغتصب الأمان في قلب المدرسة

بقلم د.تامر عبد القادر عمار
في مجتمعاتنا، نُسلّم أبناءنا للمدرسة كل صباح باعتبارها امتدادًا للبيت، وجدار أمان يتولى الرعاية والتعليم، لا مجرد التلقين، وفي الوقت الذي تُزيَّن فيه جدران المدارس بشعارات “بالعلم نرتقي” و”المدرسة بيتك الثاني”، يحدث ما لا يخطر على بال أكثر الآباء تشاؤمًا: أن يكون بيت العلم هو مقصلة الطفولة، وأن يتحوّل المعلم أو الموظف إلى ذئب يتربص في زِيّ مربٍ
لم نعد نواجه فقط جريمة واحدة تجاه طفل صغير، بل نواجه منظومة مجتمع بأكمله تغاضى، أو برّر، أو تجاهل. حادث الطفل “ياسين”، ابن السنوات الست، ليس مجرد واقعة مؤسفة داخل جدران مؤسسة تعليمية، بل هو جرس إنذار يكشف عن هشاشة منظومتنا التربوية حين تُصاب بالبلادة أو التواطؤ، سواء بسكوت الإدارة، أو بتجاهل الشكاوى، أو بغياب منظومة حماية حقيقية داخل المدارس. بل هو صرخة في وجه كل مؤسسة تربوية، وكل ولي أمر، وكل مسؤول قرر أن يدفن رأسه في الرمال
لسنا هنا لسرد ما جرى، فالقضية لم تعد قصة “طفل اعتُدي عليه داخل المدرسة”، بل قصة مجتمع ترك أبوابه الخلفية مشرعة للخراب، لأن الخوف من “الفضيحة” أصبح أقوى من الخوف على مستقبل طفل
المسألة ليست فردية .. فما حدث لا يمكن فصله عن غياب سياسات فاعلة لحماية الطفل، بدءًا من التعيينات العشوائية لبعض العاملين في المدارس، ومرورًا بغياب التدريب المهني والنفسي، وانتهاءً بثقافة “الستر” التي تفضل دفن الجريمة على حساب الضحية، بدعوى السمعة.
فمن المسؤول؟
• المسؤول هو كل إدارة مدرسة اختارت الصمت خوفًا على اسمها.
• المسؤول هو كل معلم لم يُبلغ عن سلوك شاذ لاحظه.
• المسؤول هو كل أب وأم لم يُعلّما طفلهم كيف يقول “لا”، وكيف يحكي، وكيف يدافع عن نفسه.
• المسؤول هو مجتمع بأكمله، صنع من الطفل خجولًا، مطيعًا، لا يُجادل الكبار، ولا يسألهم: “ليه؟
أين كانت الرقابة؟ أين الكاميرات؟ أين لجان الحماية؟
بل أين دور الأسرة نفسها؟
حين لا يُدرَّب الطفل على قول “لا”، ولا يُشجَّع على الإفصاح، وحين يُربّى على الطاعة العمياء، فإن الصمت يصبح لغته الأولى حين يتألم.
نحن في أزمة أخلاق… لا فقط أزمة أمن
حين يكون الطفل خائفًا من الحديث مع والده أكثر من خوفه من المعتدي، فنحن أمام خلل في البناء التربوي.
وحين تسكت مؤسسة كاملة على ممارسات منحرفة بدعوى “عدم التشهير”، فنحن أمام انحدار أخلاقي لا يقل جرمًا عن الفعل الأصلي.
الجرائم التي تستهدف الطفولة لا تنمو في الظلام فقط، بل في ظل المجتمعات المتواطئة بالصمت.
فما الذي يجب علينا فعله الآن؟
1. إعلان المدارس أماكن خاضعة لقوانين حماية الطفل، بوضوح لا لبس فيه.
يجب أن تكون هناك لافتة في كل مدرسة تقول: “أي انتهاك ضد طفل يُحال فورًا للنيابة”. لا تفاهم، لا تحقيق داخلي، لا “نحتوي”.
2. تفعيل لجان حماية الطفل داخل كل مدرسة، من مختص اجتماعي ونفسي ومدرب قانوني، يُراجع سلوكيات العاملين، ويُتابع الأطفال بانتظام.
3. تدريب أولياء الأمور على الحوار والوقاية.
لا يكفي أن نُحب أبناءنا… يجب أن نحميهم. يجب أن نفهم نفسياتهم، أن نفتح لهم نوافذ الثقة، لا بوابات التخويف.
4. تشريع قانوني عاجل ينص على تجريم التستر في قضايا انتهاك الأطفال.
من يسكت، يُحاسب. من يُخفي، يُدان. من “يتفاهم” على حساب كرامة طفل، شريك في الجريمة
ومع كل هذا فلتكن التوعية الأسرية… الخط الدفاعي الأول
• علموا أبناءكم الفرق بين اللمسة الآمنة والمؤذية، بلغة بسيطة دون إثارة خوف.
• افتحوا لهم أبواب الثقة بلا تهديد أو عقاب إن أخطأوا.
• اسألوهم بانتظام عن تفاصيل يومهم… لا تكتفوا بـ”عاملين إيه في المدرسة؟”.
• علموهم أن أجسادهم لهم، لا يحق لأحد الاقتراب منها دون إذن.
نحن الان أمام مسؤولية جماعية، لا قضية عابرة ، فالقضية ليست “ياسين” وحده. بل آلاف الأطفال الذين لا زالوا يبتلعون الصمت خوفًا أو جهلًا أو قهرًا.
والمطلوب اليوم ليس فقط محاسبة الجاني، بل إعادة النظر في البنية الأخلاقية والرقابية والتعليمية التي سمحت بحدوث الجريمة.
لنجعل من مأساة “ياسين” بداية يقظة… لا مجرد عنوان مؤلم سرعان ما يُنسى
الصمت لن يحمي أطفالنا.
الصمت لن يُرمم الكسر في روح ياسين.
الصمت لن يمنع الجريمة التالية، بل سيكون تواطؤًا مع من يترصّد في الخفاء
“يا ياسين… قد لا نعيد لك ما سُرق، لكننا نَعِد أن نغلق الباب على كل من ظن أن الأطفال بلا دروع”

د.تامر عبد القادر عمار

خبير التسويق والتخطيط الاستراتيجي

استشاري اسري وتربوي

لايف كوتش السعادة

مقالات ذات صلة