من كتاب ” شهداء الواجب في حرب مصر ضد الارهاب”

للكاتب والمؤرخ العسكري أحمد علي عطية الله
من اصدارات دار النوارس للطباعة والاعلان بالاسكندرية 2019م
28ـ الشهيد البطل رائد شرطة محمد عبد الفتاح عبد الجواد
شهيد أخر من شهداء الوطن المفدى إبن من أبناءالشرطة المصرية الموجودة كتفا بكتف بجوار القوات المسلحة فى حربها ضد الارهاب استشهد بأحد أكمنة الشرطة بمنطقة العريش بعد أن دافع بقوة وشراسة عن موقعه ضد أعوان الشيطان الارهابيين الغاشمين
ولد الشهيد بإذن الله الرائد محمد عبد الفتاح عبد الجواد في قرية رحمي، مركز إطسا، محافظة الفيوم في 3/2/1970 عاش في هذة القرية وتلقى فيها تعليمه وحفظ القرآن الكريم مما جعل شخصيته تتسم بالتدين والحرص دائماً على طاعة الله ورسوله وطاعة والديه الذين كانوا يمثلوا بالنسبة له نسبم الحياة الذي يتنفسه وقوته التي يستمدها منهما فطاعتهما بالنسبة له هي أسمى غاياته بعد طاعة الله..
لقد توفى والده وهو في سن صغير مات السند بالنسبة له وكان وقت ذاك في المرحلة الإعدادية مما أثر في نفسيته كثيرا جدا وطبعاً كانت لهذه الصدمة مردود سلبي عليه في تعليميه بالرغم من أن الجميع كانوا كانوا يتنبأوا له بمستقبل باهر فالتحق ان ذاك بالثانوية الفنية الصناعية ١٩٨٤ وتخرج منها ١٩٨٧ ثم بعد ذلك قرر أن يتقدم لمصنع الرجال الجيش المصري لتادية الخدمة العسكرية كواجب وطنى وكان سعيداً جدا بوجوده في الجيش وما يتلقاه من تدريبات وكان يقابل كل ذلك بالحب والرضا حيث انه كان يحب وطنه حباً شديدا لا يعادله حب ومن هذا المنطلق كان يتلقى الأوامر العسكرية بكل حب وفخر بجيش بلاده.. مما كان له مردود إيجابي على شخصيته واستعادة ثقته بنفسه لدرجة انه قرر بعد الانتهاء من الخدمة العسكرية أن يتطوع في الجيش ولكن لم يلقى هذا القرار استحسان من والدته فأمتثل لأمر والدته ولم يتطوع في الجيش كما كان يرغب .
وبعد أن أنهى الخدمة العسكرية بدأ يعمل عملا حرا وبرغم نجاحه الكبير فيه إلا أنه كان لا يرضى طموحه ومناله ومن هنا قرر أن يتقدم للعمل في وزارة الداخلية وبالفعل قدم أوراقه لوزارة الداخلية وتم قبوله في الوزارة وفرح فرحا شديدا لأن الداخلية بالنسبة له كانت جهة عسكرية أخرى المهم عمل في وزارة الداخلية وأثبت جدارته في كل المهام التي توكل إليه
كانت علاقته بالأهل والأصدقاء والزملاء والجيران جيدة جداً وكانوا وكانوا يحملون له كل الود والاحترام والتقدير لشخصه لأن كان إنسانا خيرا محباً للخير لجميع البشر فسمعته كانت جيدة جداً فكان إنسانا متواضعا لأقصى الحدود كان شخصا عاشقا لتراب بلده محبا لأهله وأصدقائه وجيرانه وخاصة والديه رحمهما الله جميعا لقد التقى الأحبة معا فى معية الله الأم و الأب والابن رحمهم الله جميعاً
فقد عمل في بداية خدمته بالشرطة بمنفذ الغردقة التابع لمصلحة أمن المواني وأنهى بها الخدمة في ١٩٩٦ ثم انتقل بعد ذلك للعمل في سيناء بتاريخ ٣/١٢/١٩٩٦ حيث عمل بمنفذ رفح البري التابع لمصلحة أمن المواني ، وفي سيناء عاش الشهيد فترة طويلة فكانت عشقه الأول لذلك رفض أن يتركها وفي أثناء وجوده تلقى العديد من الدورات التدريبية والفرق الشرطية بالإضافة إلى ذلك لم يتوقف طموحه عند هذا الحد من التعليم بل قرر أن يتقدم للحصول على الثانوية العامة الأمل الذي كان يسعى إليه قبل وفاة والده وبالفعل حصل على شهادة الثانوية العامة عام ٢٠٠٠, ولم يتوقف طموحه عند ذلك فلقد التحق بعد ذلك بكلية الحقوق جامعة بيروت العربية والموجودة في الإسكندرية وحصل على ليسانس الحقوق عام ٢٠٠٨- ٢٠٠٩ وهو بذلك حقق جزء من حلمه الذي يسعى إليه ثم انتقل بعد إلى القاهرة شرطة كهرباء القاهرة ، وللأسف لم يمكث بها كثيرا حيث انه حدث له إصابة عمل في ٤-١-٢٠١٠ مكث على إثرها فترة ليست بالقصيرة كان يتلقى فيها العلاج مما أدى إلى تأجيل طموحه في أن يكون ضابطاً ، ثم بعد أن شفاه الله وعفاه عاود حلمه يراوده مرة أخرى وهي أن يكون ضابط شرطة وبالفعل قدم أوراقه لأكاديمية الشرطة وتم قبوله وفي عام ٢٠١٢ تم ترقيته لرتبة ملازم ثم انتقل بعد ذلك للعمل بمديرية أمن الفيوم مسقط رأسه . ومنذ اللحظة الأولى من العمل في الفيوم اثبت جدارة غير عادية فاحبط عمليات تهريب وقبض على مسجلين خطرين وغيرها من المهام الصعبة بحكم عمله إدارة الطرق والمنافذ بالمحافظة مما جعل مساعد وزير الداخلية مدير أمن الفيوم السابق يقوم بتكريمه على ما انجزه في عمله في ٢٠١٣
لقد كان شخصية في غاية الجمال والرجولة والقوة والإقدام والمثابرة والطموح الذي لم يقف عند سقف معين وكان شخص ذكي جدا بالإضافة إلى أنه شخص طيب جدا جدا وعطوف وحنون كانت به صفات أهل الجنة بالرغم من انه يعيش على الأرض
وعن احدى موقف الأنسانية تقص علينا زوجته ؛
موقف من حياة الشهيد في مرة من المرات كنت خارجة مع محمد وكنا مستعجلين جداً. المهم واحنا في الطريق لقيت محمد رجع بالعربية للخلف فاندهشت وسألته في إيه يا محمد إنت راجع بالعربية ليه لقيته بيقولي لمحت سيدة كبيرة في السن واقفة مش لاقية مواصلات وصل عند السيدة المسنة كان عمرها حوالي سبعين سنة قال لها اتفضلي يا حاجة انا اوصل حضرتك الحاجة… الله يباركلك يا ابني. دا انا واقفة من فترة انا وبنتي ومش لاقيه اي مواصلات محمد.. اتفضلي يا حاجة وأنا اوصلك المكان اللي انتي عايزاه الحاجة.. الف شكر يا ابني وصلني بس لأقرب مكان فيه مواصلات وانا هكمل محمد… مينفعش يا حاجة شوفي حضرتك هتروحي فين وانا هوصلك الحاجة… الله يسعدك يا ابني ويحفظك وبالفعل محمد وصل السيدة المسنة الي المكان اللي كانت عايزاه ونسي أنه كان مستعجل جبر بخاطرها وكانت مبسوطه جدا وفضلت تدعيله كتييير جدا انا….. يبختك يا عم ختلك شوية دعوات جميلة محمد… كل حاجة في حياتنا عليها زكاة والعربية دي لازم نزكي عنها وده جزء من الزكاة اللي عليها ربنا يرحمك يا أطيب واحن وارق قلب في الدنيا
وفوق كل ذلك كان لا يهاب المخاطر عرف في عمله انه رجل المهام الصعبة
ولحرصه على مصلحة وامن الوطن والذي كان نابعا من حبه الشديد لوطنه وظل في الفيوم فترة ليست بالطويلة وسرعان ما إشتاق لحبيبته سيناء عشقه الأول فطلب نقله إلى سيناء في ٢٠١٦
وعندما قوبل طلبه بالموافقة فرح فرحاً شديدا وعندما طلبت زوجته منه أن يعدل عن هذا الطلب فقابلها بالرفض وقال: بلدي تحتاجني هناك وحين أخبرته وهو يعلم بالوضع في سيناء أن الوضع الآن ليس كالماضي قال لها: أنني إن مت فيها سأكون بإذن الله شهيدا لابد من الدفاع عن ارضنا ضد هؤلاء الخوارج
كان دائماً يصلي ويطلب من الله ان يتقبله عنده شهيدا لدرجة أن زوجته استيقظت مرة من نومها وكان يطلب من الله ويتضرع إليه ياااااارب مش عايز اي حاجة من الدنيا إلا أن أموت شهيد ياااااارب تقبل .. وبالفعل استجاب الله سبحانه وتعالى لطلبه
عمل في بدء الأمر بالشيخ زويد ثم انتقل للعمل بالحسنة ثم بعد ذلك في قسم ثانى العريش
والشهيد بارغم من ذلك قبل إستشهاده كان يريد أن يكمل الدراسات العليا وتحضير الماجستير ثم الدكتوراه ولكن إرادة الله فوق كل إرادة
نترك المجال للزوجة المحبة لزوجها لتكمل الحديث فتقول:
لم أعلم الكثير عن عمله فهو كان شخصية كتومة جدا وخاصة فيما يخص عمله لكن كل ما أعلمه انه كان يتفانا في عمله لأقصى الحدود حيث انه كان يمكث في العمل بالـ ٤٥ يوماً متواصلاً دون أن يطلب اجازته الدورية كلما احس ان العمل في حاجة له استاثره على نفسه وراحته وحتى أسرته فكان عمله هو كل حياته وبالفعل أفنى فيه حياته رحمك الله يا أطيب واحن وارق واشجع الرجال طلبت الشهادة بصدق فاستجاب لك الله سبحانه وتعالي
وتروى لنا زوجته تفاصيل آخر مكالمة معه قبل استشهاده بعدة ساعات فتقول :
كان متعود على الاتصال بنا فى اليوم أكثر من مرة خصوصا فى الأيام الأخيرة .. لكن اليوم ده أتأخر فى الاتصال وكنت عاوزة اتصل به وقلت اسيبه ينام شوية .. لقيته بعدها بيتصل بى
الشهيد : السلام عليكم
أنا : وعليكم السلام
=ازيك عاملة ايه انتى والأولاد ؟
= الحمد لله إحنا تمام
=ماسمعتش صوتكم النهاردة ؟
= انا كنت حا اتصل بك الساعة 3 .. بس قلت حرام أسيبك تنام شوية .. علشان أنا عارفة ان ورديتك بتيفى باليل ..
أنا صاحى من بدرى علشان أخدت خدمة زميلى علشان يسافر لأولاده.. وإن شاء الله أنا هاجى بكرة ..
= تيجى بألف سلامة .. المهم خد بالك من نفسك ..
= أدعى لى ربنا يسترها .. وخلى بالك من نفسك ومن الأولاد ,,
كانت تلك آخر كلمات سمعتها من الشهيد بإذن الله الرائد محمد عبد الفتاح عبد الجواد .. صوته محفور فى ذاكرتى قبل استشهاده بساعات قليلة .. ماكانش عاوز يقول لى على القلق اللى موجود فى سينا .. علشان ما أقلقش .. كان وقتها بيتم العجوم على الكماين اللى فى سينا .. وهو مابيقولش حاجة ..
أما واقعة الاستشهاد في يوم ١١ – ١- ٢٠١٧ في كمين مستشفى العريش التابعة لقسم ثاني العريش اخذ خدمة زميل له كي يسافر هو لابنائه وأخذ محمد خدمته وفي أثناء الخدمة مساءاً قامت جماعة إرهابية تكفيرية مسلحة بالهجوم على الكمين ويظل يواجههم بكل بسالة وأصاب منهم أفراد إلى أن لقي ربه
تلقيت خبر إستشهاده بمزيد من الحزن والأسى شعور غريب لا أستطيع وصفه فلقد تلقيت خبر استشهاده قبل صلاة الفجر يوم الخميس حيث انني سمعت جرس الباب يرن فظننت أن من يرن جرس الباب هو محمد لأنه أخبرني يوم الأربعاء يوم الاستشهاد انه سوف يحضر غدا الخميس في الاجازة الدورية له المهم أنني قمت بفتح الباب لقيت اخته وزوجات إخوته ليخبروني بأنه اصيب ليخففوا عليا الصدمة ولكن لم اصدقهم فقمت بالاتصال بمحمد لقيت التليفون مغلق فقمت بالاتصال بأحد زملائه وهو الذي أخبرني بالخبر فما كان مني إلا أنني ذهبت إلى ابنائي الذين استيقظوا على خبر وفاة والدهم فاخذتهم في حضني واخبرتهم أن ابيهم بطل ولا ادري ماذا حدث بعد ذلك وحضرنا الجنازة العسكرية التي أقيمت له وحضرها سيادة المحافظ ومدير أمن الفيوم والمستشار العسكري وغيرهم من قيادات البلد
وتم تشييع الجثمان إلى مثواه الأخير يوم الخميس ١٢-١-٢٠١٧
استشهد وترك زوجة وثلاث أبناء .
ربنا يرحمك ياحبيبى .. ويسكنك الفردوس الأعلى من الجنة مع النبيين والصديقيين والئهداء والصالحين وحسن أؤلئك رفيقا .. عشت رجلا ومت بطلا .. عيدك فى الجنة أحسن ياشهيد .
تم تكريمه من السيد الرئيس عبدالفتاح السيسي في عيد الشرطة ٢٠١٨ وأثناء التكريم جرى زياد إبن الشهيد وكان عمره ٤ سنوات حينما أستشهد والده وكان مرتبطا به ارتباط شديد جدا على سيادة الرئيس وعندما سألته لماذا جريت على الرئيس بالشكل ده (وكأنه يجري على والده) قال لي :يا ماما الرئيس السيسي شبه بابا.
الشهيد حصل على وسام الجمهورية من الطبقة الثالثة صدق على الوسام السيد الرئيس عبدالفتاح السيسي تقديرا لما قدمه الشهيد من عظيم الخدمات والتضحية بروحه من أجل الدولة
كما تم تكريمه من محافظ الفيوم السابق الدكتور جمال سامي
وتم تكريمه من محافظ الفيوم الحالي اللواء عصام سعد
كما تم تكريمه من حزب مستقبل وطن
كما تم تكريمه من مؤسسة سلوي علوان الصحفية والتي كانت في الشهر الماضي وغيرها من التكريمات الأخرى
كما تم تكريمه من مساعد وزير الداخلية للعلاقات الانسانية ومنحه وسام الشهيد
واطلق اسمه على مدرسة اعدادية بالفيوم
رابط المؤلف علي منصة إكس
أحمدعلى عطية الله (@atytalla2010): https://x.com/atytalla2010?t=kJPHOknlwzwPLjPc3XLdrw&s=08


