المقالات والسياسه والادب
مهرجان الجونة حين تتحول السجادة الحمراء إلى استعراض للعري

كتب: محمود جاب الله
مهرجان الجونة السينمائي وُلد كبيراً. وُلد بحلم أن يكون نافذة مصر السينمائية على العالم، ومقصداً للسياحة الثقافية، ومنصة لاكتشاف المواهب. لكن ما يحدث في دوراته الأخيرة يطرح سؤالاً مشروعاً: هل ما زال مهرجاناً للسينما، أم تحول إلى مهرجان للموضة العارية؟
المتابع للدورة الحالية لا يخرج بذاكرة ممتلئة بالأفلام الفائزة، بل بذاكرة ممتلئة بالفساتين الممزقة والصور الفاضحة. لا حديث عن سيناريو أو إخراج أو قضية، بل حديث عن من ارتدت الأجرأ ومن كشفت أكثر. هكذا اختُزل الفن السابع في قطعة قماش.
والأخطر من العري نفسه، هو توقيته ودلالته. نحن لا نرى شباباً يبحثون عن الشهرة، بل نرى نجماتٍ أفَلَ بريقهن، وابتعدت عنهن الأضواء لسنوات، فلم يجدن وسيلة للعودة إلى التريند سوى العري. فنانة تجاوزت الستين والسبعين من عمرها، قدمت تاريخاً محترماً، تظهر اليوم بما لا يليق بتاريخها ولا بسنها، في محاولة يائسة لتقول “أنا ما زلت هنا”. وهي رسالة مؤلمة تعكس إفلاساً فنياً، لا جاذبية.
إن الثقافة المصرية التي علمت العالم الفن لم تكن يوماً ثقافة جسد. سيدات الفن المصري الخالدات، من أم كلثوم إلى فاتن حمامة، لم يحتجن يوماً إلى العري ليتربعن على عرش القلوب. كان الاحتشام جزءاً من الوقار، والوقار جزءاً من النجومية.
نحن لا ندعو للوصاية، ولا نحاكم النوايا، لكننا نسأل إدارة المهرجان: ما الرسالة التي نصدرها عن مصر؟ هل نريد أن نسوق لمصر كبلد الحضارة والفن الراقي، أم كبلد الفستان الأكثر عرياً؟ هل تريدون جذب السائح لمشاهدة أفلامنا، أم لمشاهدة أجسادنا؟
القوة الناعمة لمصر لا تحتاج إلى لحم رخيص، بل تحتاج إلى فن راقٍ. مهرجان ناجح هو الذي يبقى الناس يتحدثون عن أفلامه لأسابيع، لا عن فساتينه لساعات.
لقد آن الأوان لوضع ضوابط واضحة تحفظ للمهرجان هيبته، وللفنانات كرامتهن، وللمشاهد المصري احترامه. فالستر لا يمنع الفن، بل يمنحه قيمة. وعندما تنتهي الموهبة، يبدأ البحث عن أي شيء آخر، ولو كان العري.



