… أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه المعروف بشدته وقوة بأسه ، كان يعد لموائد الطعام في المدينة ، رأى رجلاً يأكل بشماله فقال له : ياعبد الله كل بيمينك ، فأجابه الرجل : ياعبد الله إنها مشغولة ، فكرر عمر القول مرتين ، فأجابه الرجل بنفس الإجابة ، فقال له عمر : وما شغلها ؟! ، فأجابه الرجل : أصيبت يوم مؤتة فعجزت عن الحركة ، فجلس إليه عمر وبكى وهو يسأله : من يوضأك ؟! ، ومن يغسل لك ثيابك ؟! ، ومن يغسل لك رأسك ؟! ، ومن ، ومن ؟! ، ومع كل سؤال يبكي ، ثم أمر له بخادم ، وراحلة ، وطعام ، ويرجوه العفو عنه ، لأنه آلمه بملاحظته على أمر لم يكن يعرف أنه لاحيلة للرجل فيها ، هكذا صدر قانون (مصابي الحروب)
… شاهد عمر رجلاً مسناً ينقل الحجارة ، فسأله : لما تقوم بهذا العمل الشاق ، أجاب أنا رجل يهودي ، وعلي دفع الجزية ، فقال له دفعت لنا الجزية بشبابك ، والآن واجب علينا أن نتكفل بك ، وصرف له راتب شهري ، ويعود عمر إلى داره ويكتب قانون (الضمان الاجتماعي)
… ويواصل عمر التجوال متفقداً ، وإذ بطفل يصدر أنيناً ، فيقترب ويسأل عما به ؟! ، فترد أم الطفل : إني أفطمه يا أمير المؤمنين ! ، قبل موعده لحاجتي للمئة درهم (التي يصرفها بيت مال المسلمين لكل طفل بعد الفطام) ، يرجع عمر إلى منزله ، ويصدر أمراً بصرف المئة درهم للطفل منذ الولادة ، وليس بعد الفطام ويصبح قانوناً يحفظ حقوق الأطفال ويحميهم ، وهكذا تَشكَّل قانون (التعويض العائلي للأطفال)
… وكان عمر يحب أخاه زيداً ، الذي قُتل في حروب الردة ، ويلتقي الفاروق وجهاً بوجه بقاتل زيد ، وكان قد أسلم وصار فرداً في رعيته ، فيخاطبه عمر غاضباً : والله إني لا أحبك حتى تحب الأرض الدم المسفوح ، فيسأله الأعرابي متوجساً : وهل سينقص ذاك من حقوقي يا أمير المؤمنين ويُطمئنه عمر بـ (لا) ، فيغادره الأعرابي بمنتهى اللامبالاة قائلاً : إنما تأسف على الحب النساء (أي مالي أنا وحبك) ، (إذ ليس بيني وبينك غير الحقوق والواجبات) ، لم يغضب عمر ، ولم يسجنه ، وكظم غيظه من الأعرابي وسخريته ، إيماناً بحقه في التعبير ، وهكذا تَشكَّل قانون (حرية التعبير)
… وذات جمعة وفي المسجد ، حينما أراد عمر أن يحدد قيمة المهور ، خلعت عنه إمرأة لقبه ، وقالت : أخطأت ياعمر ! ، رافضة قانون المهر الذي صاغه ، لم يكابر عمر ولم يسجنها ، ولم يجلدها ، بل إعترف بخطأه ، وقال : (أخطأ عمر وأصابت إمرأة !) ، ثم ترك للمجتمع أمر تحديد المهور حسب الإستطاعة ، وهكذا وضع قانون (حماية حقوق المرأة وحرية الرأي)
لقد طال هذا الليل واسود جانبه *** وأرقني إذ لاحبيب ألاعبه
فلولا الذي فوق السماوات عرشه *** لزعزع من هذا السرير جوانبه ،
… يقترب ويسمعها ثم يسألها من خلف الدار : مابك ياأختاه ؟! ، فترد عليه : لقد ذهب زوجي إلى ساحات القتال منذ أشهر وإني أشتاق إليه ، فيرجع عمر إلى دار حفصة ، ويسألها : كم تشتاق المرأة إلى زوجها ؟! وتستحيي وتخفض رأسها ، فيكرر متوسلاً : إن الله لايستحي من الحق ، ولولا أنه شئ أريد أن أنظر به في أمر الرعية لما سألتك ، فتجيب : أربعة أشهر أو خمسة أو ستة ، يعود عمر ، ويكتب لأمراء الجيوش (لاتحبسوا الجيوش فوق أربعة أشهر) ، ويصبح قانوناً (يحفظ للمرأة حقوقها)
… قانون لم يصغه الجهاز التشريعي للدولة ، بل صاغه المجتمع (الأعرابية وحفصة) واعتمده الجهاز التنفيذي ، هكذا تَشكَّل ( قانون حقوق المرأة)
… وكان عمر يتنافس مع أبي بكر في فعل الخيرات ، فلاحظ أن أبي بكر بعد صلاة الفجر ، يخرج إلى أطراف المدينة ويدخل بيتا ، قرر عمر الدخول بعد خروج أبي بكر ، ليعرف ماالسر ، فوجد سيدة عجوز عمياء مقعدة فسألها : ماذا يفعل هذا الرجل عندكم ؟! ، أجابته : والله لاأعرفه ، ولكنه يأتي كل صباح ، لينظف لي البيت ويكنسه ، ويعد لي الطعام ثم ينصرف ، فلما مات أبو بكر قام عُمر باستكمال رعاية العجوز الضريرة ، فقالت له : أمات صاحبك ؟! ، قال : وما أدراكِ ؟! ، قالت : جئتني بالتمر ولم تنزع منه النوى ، جثم عمر وفاضت عيناه وقال عبارته الشهيرة : (لقد أتعبت الخلفاء من بعدك يا أبا بكر)
… أنبكي أبا بكر ، أم نبكي عمر ، أم نبكي حالنا اليوم ، على المشاعر والأخلاق التي إنهارت وتدهورت
… رضي الله عنهم وأرضاهم ، ورزقنا العمل الذي يقربنا إلى طاعته ورضاه ، هكذا تُصنع القوانين من الرجال ، قال تعالى : (مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَاعَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ۖ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ ۖ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا)
… وهكذا تُصنع القوانين حسب غايات المجتمع وطموحاته وثقافاته ، وذلك بالغوص في قاع المجتمع المستهدف بتلك القوانين ، فالمجتمع مصدر القوانين وليس السلطة (بما لا يخالف كتاب الله وسنة نبيه ﷺ) ، لم يتغير الناس ولا الحياة ولكن ليس في القوم (عمر) أتعبتَ من جاء بعدك يا عمر