المقالات والسياسه والادب
هبةالسماء قصة قصيرة د.ذكاء رشيد

كان يوسف يجلس في ركنه المعتاد بالمقهى الصغير، يراقب عقارب الساعة وهي تتحرك بثقلٍ لا يطاق. لم يكن ينتظر مجرد لقاءٍ عابر، بل كان ينتظر “النجاة”.
كان حاله يُشبه تماماً حال طفلٍ صغير يرقب الباب بلهفة، ينسى في لحظةِ انتظارها كل شقاوة نهاره، وكل التعب الذي خلّفه العالم في قلبه الصغير. بالنسبة له، لم تكن مجرد صديقة أو رفيقة، بل كانت “هبة السماء” التي هبطت في توقيتٍ كان فيه على وشك الانكسار.
وما إن فُتح باب المقهى وظهر طيفها حتى استقام ظهره، وتنفس بعمقٍ كأنه كان يغوص تحت الماء وخرج للتو ليتنشق الهواء. ابتسمت له، فتبددت غيوم القلق التي كانت تعلو وجهه، وجلست أمامه بهدوئها المعتاد.
بمجرد أن جلست، لم ينتظر مقدمات. بدأت كلماته تنهمر كشلالٍ محبوس؛ شكا لها قسوة عمله، خذلان بعض الرفاق، ثقل الأيام التي تتشابه في رتابتها، وتلك الأحلام التي بدأت تذبل في عقله. كان يخرج كل ما في جوفه، يفرغ حمولة أيامه على مائدتها، وكأنه يلقي بعبئه على كتفٍ لا يملُّ ولا يكلُّ.
أما هي، فلم تكن تقاطعه بنصيحة جافة أو حلولٍ تقليدية. كانت تنظر إليه بعينين تفيضان بالحب والاحتواء، كانت تصغي إليه بكل جوارحها، تومئ برأسها في اللحظات المناسبة، وتضع يدها فوق يده حين تشتدُّ نبرته ألماً، فتسري في عروقه طمأنينةٌ عجيبة.
كانت تدرك أنها بالنسبة له ليست مجرد مستمعة، بل هي “الميناء” الذي يرسو فيه بعد عواصف الحياة. كانت تبتسم له في نهاية حديثه، بابتسامةٍ تقول له دون كلمات: “أنا هنا، أنت لست وحدك، وسينتهي كل هذا”.
في تلك اللحظات، كان يوسف يشعر بيده تمتد لتلمس قطعة من الجنة على الأرض. كان يعلم أنَّ الدنيا بخير ما دامت هي تسمع، وما دام في نهاية يومه من يمنحه هذا القدر من الودّ والحياة. غادر المقهى تلك الليلة، وقد استعاد خفة روحه، ورحل الثقل من قلبه، ليس لأنه وجد حلاً سحرياً لكل مشاكله، بل لأنه وجد من يشاركه حملها، وهذا وحده كان يكفيه.



