لم تعد إسرائيل كما كانت.. عبارة موجزة تلخص الكثير من التحولات داخل الولايات المتحدة الأمريكية بعد قرابة عامين على عدوان غزة.. فالهجوم على إسرائيل لم يعد مجرد مادة خلاف بين الحزبين، والانحياز للحق الفلسطينى لم يعد قاصرا على حزب الأقلية داخل الكونجرس، أو ورقة ضغط يراوغ بها من يحلمون بالعودة إلى البيت الأبيض.. ففى الرحلة من الانحياز المطلق لـ«حق إسرائيل فى الدفاع عن نفسها»، مرورا بتهمة معاداة السامية وصولا إلى الإقرار ـ ولو فى الغرف المغلقة ـ بأن تل أبيب باتت حليف «عالى الكلفة»، ولا يقدم ما يليق بحجم ما يتلاقاه، الكثير من التفاصيل والمحطات الفارقة.. تفاصيل ستجد معها إسرائيل أن صباح اليوم التالى لنهاية حرب غزة ليس مفروشا بالورود، وأن الانتصار، أى انتصار فى ميادين القتال لن يفى بما ستتكبده فى المستقبل القريب.
وفى مقابلة مع شبكة سى إن إن الأمريكية، أمس الأول الاثنين، وصف السيناتور الديمقراطى بيرنى ساندرز، رئيس وزراء الاحتلال بـ«مجرم حرب»، معتبرا أن ما تفعله الحكومة الإسرائيلية فى غزة هو مذبحة تجاه الشعب الفلسطينى بأكمله.
وقال ساندرز: «كان لإسرائيل الحق فى الدفاع عن نفسها من الهجوم الذى شنته حماس، لكن ما فعلته منذ ذلك الحين هو شن حرب على الشعب الفلسطينى بأكمله، هناك الآن نحو 60 ألف قتيل، معظمهم من النساء والأطفال وكبار السن، هناك 18 ألف طفل قتلوا، و3 آلاف طفل بتر أحد أطرافهم. والآن علاوة على كل هذا الدمار، الدمار البشرى، التدمير الهائل لمساكنهم، مدارسهم، جامعاتهم، أنظمتهم الصحية، وفوق كل ذلك، ما يفعله نتنياهو هو فرض حصار يمنع دخول الغذاء، والناس يموتون جوعا».
وكشف ساندرز، أنه قدم قرارا قبل أسبوعين، حصل على 27 صوتا من الديمقراطيين لوقف وصول الأسلحة العسكرية إلى غزة، دون أى دعم من الجمهوريين، وقال: «رغم ذلك، أعتقد أن الجمهوريين على مستوى القاعدة الشعبية يدركون أيضا أن تقديم مليارات الدولارات لحكومة تجوع الأطفال ليس فكرة جيدة».
وفى أوساط الحزب الجمهورى، اتهم ستيف بانون، المستشار السابق لترامب، حكومة نتنياهو بـ«الكذب»، مؤكدا أن رئيس وزراء الاحتلال «خان الدعم الأمريكى»، وقال فى بودكاست «Bannnon’s War room» الذى يقدمه على الإنترنت قبل أسابيع، إن حكومة إسرائيل مطالبة بأن تبرهن أنها شريك للولايات المتحدة.
واستطرد بانون، مخاطبا ساسة تل أبيب: «هل لديكم الجرأة بعد كل ما فعله هذا الرجل «ترامب» من أجلكم، أن تكذبوا عليه؟ عندما قال لكم: هذا ما فعلته وأحتاج أن تكونوا شركاء، وأطلب منكم التهدئة، ماذا فعلتم؟ قلتم لا يمكننا، وهذا كذب جديد من الأكاذيب العديدة التى تلقيناها من حكومة نتنياهو».
وأضاف بانون، موجها كلامه لمؤيدى إسرائيل فى الولايات المتحدة: «هذا الوضع يجعل الدفاع عن إسرائيل أمرا صعبا للغاية، عندما يكون أعلى مسؤول فى البلاد يتعامل من أسفل الرزمة، لا يلعب بنزاهة، والحقيقة أنه كاذب صريح.. إذا كنتم حقا تحبون إسرائيل وترغبون فى ألا تبقى فقط بل تزدهر، فعليكم أن تطرحوا أسئلة صعبة، وأسئلة صعبة جدا، وأن تطالبوا بإجابات واضحة وصادقة».
وفى مؤشر على حجم السخط الذى يسود دوائر الفكر وصنع القرار الأمريكى تجاه إسرائيل، نشرت صحيفة نيويورك تايمز نهاية يوليو الماضى مقالا للكاتب الكبير توماس فريدمان بعنوان: «كيف خدع نتنياهو ترامب فى غزة؟» ليجيب عن سؤالا بات ملحا لدى كثير من الأمريكيين، حيث قال إن الإدارة الأمريكية فى حاجة ماسة للتحرر من قيود الدعم المفتوح الذى تقدمه لتل أبيب، قياسا بما يرتكبه بنيامين نتنياهو من فظائع داخل قطاع غزة.
السؤال الذى طرحه فريدمان ليس الأول من نوعه، ففى مايو الماضى ذكر فى الصحيفة نفسها أن حكومة بنيامين نتنياهو لا يمكن أن تكون حليفا للولايات المتحدة، مشيرا إلى أن الرئيس الأمريكى دونالد ترامب مطالب بأن يدرك حقيقة جوهرية: «هذه الحكومة تتصرف بطرق تهدد المصالح الأمريكية الأساسية فى المنطقة».
الأصوات المعارضة لإسرائيل فى أوساط الساسة الأمريكيين لم تكن بمعزل عن حراك الجامعات، فمنذ الأشهر الأولى للعدوان، شكلت التظاهرات الجامعية المعارضة لجرائم الاحتلال ورقة ضغط حقيقية على صانع القرار داخل الولايات المتحدة فى الأشهر الأخيرة من ولاية جو بايدن، وكانت نواة لمواجهة مفتوحة قادها ترامب ضد إدارات تلك الجامعات فى خطوة أثبتت الأيام عدم جدواها.
وبعيدا عن آراء النخب الأمريكية، كشفت دراسة نشرها المركز القومى لدراسات الانتخابات داخل الولايات المتحدة فى الربع الأول من العام الجارى بيانات لافتة، حيث تضمنت الدراسة سؤالا يختبر رؤية الأمريكيين عما إذا كانت إسرائيل تشكل تهديدا للولايات المتحدة أم لا.
وبحسب النتائج التى نشرتها صحيفة واشنطن بوست، فى ذلك الحين، فإن قطاعات واسعة من الأمريكيين باتت تعارض سياسة «الشيك على بياض» فى تزويد إسرائيل بالسلاح، بل ترفض أى احتمال لإرسال قوات عسكرية إذا اشتعل نزاع أوسع فى المنطقة.
وألمحت النتائج التى نشرت بعد أكثر من عام على عدوان غزة بأن الأجيال الجديدة داخل الولايات المتحدة ترى أن العلاقة مع إسرائيل يجب أن يتم تقييمها بزوايا القيمة والكلفة والعائد بدلا من الاكتفاء بسرديات دينية وتاريخية.
وبحسب النتائج فإن 56% من الأمريكيين يرون فى إسرائيل مصدرا للتهديد بغض النظر عن حجم هذا التهديد، مقابل 42 % من العيّنة تنظر لإسرائيل على أنها «غير مهدّدة إطلاقا»، وبشكل مفصل فإن 22 % ممن يرون إسرائيل تشكل تهديدا للولايات المتحدة يعتبرون ذلك التهديد «محدود»، مقابل 24 % يضعونها فى إطار «التهديد المتوسط»، فى حين يراها 16 % تهديدا كبيرا.
وفى مارس 2024، ذكر جون هوفمان، خبير السياسة الخارجية فى معهد «كاتو» الأمريكى للدراسات، أن إسرائيل «لم تعد مصدر مكاسب استراتيجية» بقدر ما أصبحت مصدرا محتملا للخطر على المصالح الأمريكية، موضحا فى مقال نشرته مجلة فورين بوليسى أن إسرائيل هى أكبر متلق مساعدات، لافتا إلى أن حجم ما حصلت عليه من الولايات المتحدة الأمريكية منذ الحرب العالمية الثانية يقدر بأكثر من 300 مليار دولار، إلا أن المقابل الذى تتحصل عليه واشنطن من وراء هذا الدعم فى حاجة لإعادة تقييم.
وأضاف هوفمان: «يزعم المؤيدون لإسرائيل أن الدعم الثابت أمر بالغ الأهمية لتعزيز المصالح الأمريكية فى الشرق الأوسط. على سبيل المثال، أشار السيناتور الجمهورى ليندسى جراهام ذات مرة إلى إسرائيل باعتبارها «عيون وآذان أمريكا فى المنطقة، وفى حين أن تبادل المعلومات الاستخبارية قد يكون له بعض القيمة الاستراتيجية، فإن الحرب فى غزة أوضحت الآثار السلبية العديدة لهذه العلاقة، وعلى وجه التحديد كيف أدى احتضان واشنطن غير المشروط لإسرائيل إلى تقويض موقعها الاستراتيجى فى الشرق الأوسط مع الإضرار بصورتها العالمية، لقد سلطت الحرب الضوء بشكل صارخ على الإخفاقات الأساسية لسياسة الولايات المتحدة فى الشرق الأوسط».
وتابع الباحث الأمريكى: «لقد حان الوقت لإعادة تقييم جوهرى للعلاقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل، كما كان لدعم واشنطن الثابت لإسرائيل وسط الحرب فى غزة تداعيات إقليمية كارثية. من شرق البحر الأبيض المتوسط إلى البحر الأحمر، هناك سلسلة من نقاط التوتر المختلفة تهدد بجر المنطقة – والولايات المتحدة – إلى حرب واسعة النطاق، بالإضافة إلى ذلك فإن دعم واشنطن المستمر للحملة الإسرائيلية الوحشية فى غزة قد شوه صورة واشنطن كرمز للقيم الليبرالية».
و حالة من الهلع باتت تهيمن على المواطنين الإسرائيليين، منذ اندلاع الحرب على غزة، خاصة بعدما تمكنت الفصائل من اقتحام أراضيهم، واختطاف مواطنين بينهم ضباط كبار بالجيش، وهو ما يعد مؤشرا لحالة من الهشاشة الأمنية فى الداخل، وهو ما وضع ضغوطا كبيرة ليس فقط على المجتمع، وإنما أيضا على كاهل الجنود الإسرائيليين، الذين باتوا فى مواجهات مباشرة مع الفصائل، فى الوقت الذى يخشون فيه عمليات نوعية قد تستهدفهم.
فبحسب تقارير عبرية، فإن معظم حالات الانتحار فى صفوف الجنود الإسرائيليين كانت بسبب صدمات نفسية ناجمة عن الحرب المستمرة فى قطاع غزة، وهو ما يعكس التداعيات السلبية للمعركة التى يخوضها نتنياهو وحكومته، منذ ما يقرب من عامين.
فى هذا الإطار، قالت تقارير أذاعتها قنوات عبرية: إن عدد جنود الجيش الإسرائيلى، الذين اتخذوا خطوة الانتحار منذ بداية عام 2025، وحتى أواخر يوليو الماضى، وصل إلى 16 جنديا، حيث أفادت بأن حالات الانتحار ناجمة عن الصدمات النفسية الناتجة عن طول أمد الحرب، والفترات الطويلة التى يقضيها الجنود فى ساحة القتال، إلى جانب المشاهد المروعة وفقدان الأصدقاء.
الأرقام المذكورة، نشرتها تقارير صحفية وتليفزيونية، إلا أن المؤسسة العسكرية لم تصدر أى تعليق حولها تحت ذريعة أن البيانات فى هذا الشأن لا تصدر إلا مرة واحدة بالعام، وفى موعد محدد.
وبحسب تقرير نشرته صحيفة سويدية، فإن عدد الجنود فى الجيش الإسرائيلى الذين انتحروا خلال الشهور الثلاثة الأخيرة من 2023، «من 7 أكتوبر إلى نهاية ديسمبر» بلغ 7 جنود، بينما كان عدد المنتحرين خلال الشهور التسعة الأولى من العام، 10 جنود، فى حين بلغ عدد الجنود الذين انتحروا فى العام الماضى 21 جنديا.
وبعيدا عن الجنود الإسرائيليين وأزماتهم التى دفعت قطاعا منهم لاتخاذ قرار الانتحار، فإن ثمة أزمة غير مسبوقة فى الصحة النفسية داخل المجتمع الإسرائيلى، وهو ما أكدته ورقة بحثية نشرتها دورية أكاديمية إسرائيلية متخصصة فى الأبحاث الصحية، حيث كشفت ارتفاعا حاد فى معدلات اضطراب ما بعد الصدمة والاكتئاب والقلق، مع تأثيرات مستمرة وعميقة على فئات بعينها مثل النساء، والأقليات العرقية ولا سيما العرب، والأشخاص الذين عانوا فقدانًا أو نزوحًا أو أزمات اقتصادية.
وأوضحت الورقة البحثية أن البيانات، التى تم الحصول عليها قبل وبعد الهجوم، أظهرت تضاعف معدلات الإصابة المحتملة باضطراب ما بعد الصدمة تقريبًا «من 16.2 % إلى 29.8 %»، وارتفاعًا كبيرًا فى معدلات القلق العام والاكتئاب خلال أشهر قليلة.
كما أظهرت نتائج المتابعات حتى ثمانية أشهر بعد الهجوم أن نحو ثلثى السكان فى مناطق الصراع ظلوا يعانون من أعراض تفوق العتبة الإكلينيكية، مع استمرار الفوارق بين الجنسين والأقليات والأغلبية. وفى المقابل، أظهرت الدراسات تحسنًا تدريجيًا فى الأداء الوظيفى رغم بقاء مستويات الضيق النفسى المرتفعة، ما يعكس مسارات متباينة بين التعافى الجزئى واستمرار المعاناة النفسية.
اقترح الباحثون إعادة هيكلة جذرية لنظام الصحة النفسية فى إسرائيل، تشمل تدريبًا واسع النطاق على التشخيص المعيارى والعلاجات النفسية قصيرة المدة المدعومة بالأدلة، واعتماد الطب النفسى الدقيق الذى يراعى الفروق الفردية، وتوسيع نطاق الرعاية عبر نماذج «نقل المهام» و«تقاسم المهام» لزيادة الوصول للعلاج رغم نقص الأخصائيين، وشددوا على ضرورة التركيز على الفئات الأكثر عرضة، ومتابعة نتائج العلاج بشكل منهجى، لضمان استجابة فعّالة تخفف الأعباء طويلة الأمد على الأفراد والأسر والمجتمع الإسرائيلى ككل.
كما رصدت أبحاث أخرى، أجرتها جامعة القدس وكلية كولومبيا، ارتفاعا حادا فى اضطرابات ما بعد الصدمة والقلق والاكتئاب بين مواطنى إسرائيل، حيث كشفت أن ما يقارب 520 ألف إسرائيلى «أى حوالى 5.3 % من السكان» يُعانون من اضطراب ما بعد الصدمة، نتيجة الهجمات التى بدأت فى 7 أكتوبر والحرب التى تلتها.
وبحسب تقارير منشورة بصحف إسرائيلية، فإنه من المتوقع أن يصل عدد طالبى العلاج من أعراض اضطرابات ما بعد الصدمة والقلق والاكتئاب إلى حوالى 900 ألف شخص، إلا أن منظومة الصحة النفسية العامة تواجه صعوبة فى تلبية هذه الحاجة.
الحديث عن منظومة الصحة النفسية والتحديات التى تواجهها كان محل اهتمام العديد من الأقلام والكاميرات فى الدولة العبرية، حيث رصد تقرير منشور بصحف أمريكية معاناة تل أبيب فيما يتعلق بنظام الصحة النفسية قبل اندلاع الحرب، وهو ما يعنى انهيارها عمليا بعدها، فى ظل عدم قدرتها على الوفاء بالحالات المتزايدة فى هذا الإطار.
معاناة المواطن الإسرائيلى لم تقتصر على القلق والاكتئاب، وإنما باتت تطارده فى منامه، وهو ما أظهرته أبحاث الجامعة العبرية بالقدس، التى رصدت أن أكثر من 20 % من الإسرائيليين باتوا ينامون أقل من 6 ساعات فى الليلة، بينما ارتفعت حالات الأرق الإكلينيكى بنسبة 19 %، فى حين ارتفعت نسبة مستخدمى الأدوية المنومة بنسبة 5 %.
وفى سياق آخر، شهدت الخطوط الساخنة زيادة هائلة فى عدد المكالمات، ما يشير إلى ارتفاع الذروة فى الضغط النفسى العام، بما يشمل فئات كانت أقل استدعاءً للدعم مثل الأطفال والرجال، حيث زادت بمعدل 33 ألف طلب شهريا خلال الأشهر الستة الأولى من اندلاع الحرب فى غزة.