وصية العودة بقلم الكاتبة إيمان نجار

وصية العودة
بقلم الكاتبة إيمان نجار
*المُغترب:*
يا وطني…
هل تسمع رجع الحنين في حقيبتي؟
كلما أوشكت أن أرتّب غربتي، سقطت صورتك من بين أصابعي،
كأنك لا ترضى أن أغادرك… ولا تستطيع أن تحتفظ بي!
هل كنتَ بيتًا… أم لعنةً تُطارِدني في المطارات؟
*الوطن:*
ويا أنت…
يا من دسستَ قلبي في قاع حذائك، ورحلت!
ظننت أن الغيم أغزر في بلاد غيري؟
أن العُملة الصعبة، أدفأ من حضني؟
أجبني، كم مرة بكيتَ دون لغة؟
كم مرة خُذلتَ وأنتَ تضحك بلغة لا تفهمها؟
*المُغترب:*
أنا لم أهرب… بل نُفيت!
رغيفك كان ناشفًا ككفّ السياسة،
وكرامتي كانت أضيق من سُترة نجاة!
فاخترت أن أُدفن حيًّا في الغربة، على أن أموت واقفًا على رصيفك بلا جدوى…
*الوطن:*
وأنا،
هل تظنني بخير؟
حين غادرت، سقطت شجرة من شراييني،
صار صوتك في الذاكرة كالحلم… مشوّش، مؤلم، لكنه عزيز!
كلّ مغترب يسرق قطعة مني،
وأنا أتآكل… حتى صرتُ مقبرةً لأسماءٍ لا تعود.
*المُغترب:*
أما زال اسمي محفورًا في ترابك؟
أما زال قلبي مديَناً بحبك؟
إنني أُمزقُ في صمتي كلّ يوم،
وفي أحلامي… أنتَ الوطن، وأنتَ السجن، وأنتَ القاضي!
*الوطن:*
عُد…
ولو على هيئة بكاء،
عُد… حتى إن كنتَ مهزومًا، مكسورًا، أو غريبًا عن نفسك.
فأنا لا أُغلق أبوابي أنا الوطن… وإن تبرّأتَ مني ألف مرّة، أقبّلك من وجعك!
*المُغترب:*
وإن عدت…
من سيغسل عني صدأ الغربة؟
من سيُعيد لي لهجتي التي خجلت أن تنطقك؟
يا وطني، لم أعد أنا كما كنت،
الغربة جرّدتني من صوتي، من ظلّي، من دفء النداء!
*الوطن:*
تعال كما أنت،
بخساراتك، بانكساراتك، حتى بجفاف حنينك،
أنا لا أطلب منك البطولة…
أنا أطلب منك أن تتنفسني، ولو بين دمعتين.
*المُغترب:*
صرتُ أخاف أن لا أجدك كما تركتك…
أخاف أن ترفضني كما رفضتني الحياة خارجك.
هل الوطن يُسامح من خانه مضطرًا؟
هل تنسى التراب خطى العابرين؟
*الوطن:*
أنا لا أنسى… لكنني أغفر.
فكل من باعني، عاد وبكى على صدري.
وأنت،
إن كنت وجعي، فأنا أوجاعك كلها…
تعال، لنُرمم معًا هذا الغياب،
ولتكن دمعتك الأخيرة بدايةً… لا وداعًا.
*المُغترب:*
سأعود…
ليس كما غادرت، بل كما وُلدت منك.
سأعود لأبكي في زواياك التي نسيتني،
وأقول:
ها قد عدتُ،
فهل بقي فيك متسعٌ لقلبي؟
*الوطن:*
قلبي… لا يضيق بك،
أنا الوطن… لا أغلق فمي عن المنادين،
ولا أُقفل أبوابي بوجه الذين ضلّوا.
عد يا ابني…
فصوتك، هو نشيدي الذي لا يموت.
*الراوي (الختام):*
وهكذا ظلّ الوطن والمغترب، في حوارٍ لا يشيخ…
كأنهما عاشقان فرقتهما الظروف،
لكن الحب…
يعود دومًا،
على هيئة وطنٍ يفتح ذراعيه، ودمعةٍ لا تنكر الطريق.



