المقالات والسياسه والادب

وعد بلفورفي مثل هذا اليوم عام 1917

 

كتب وجدي نعمان

في مثل هذا اليوم عام 1917، أرسل وزير الخارجية البريطاني آرثر جيمس بلفور رسالة إلى اللورد ليونيل وولتر دي روتشيلد، يشير فيها إلى تأييد الحكومة البريطانية إنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين، وهي الرسالة التي عُرفت باسم «وعد بلفور»، وجاء نص الوعد: «تنظر حكومة صاحب الجلالة بعين العطف إلى إقامة وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين، وستبذل غاية جهدها لتسهيل تحقيق هذه الغاية، على أن يُفهم جليًّا أنه لن يؤتى بعمل من شأنه أن ينتقص من الحقوق المدنية والدينية التي تتمتع بها الطوائف غير اليهودية المقيمة في فلسطين، ولا الحقوق أو الوضع السياسي الذي يتمتع به اليهود في أي بلد آخر».

وَعْدُ بَلفُور بيانٌ علنيّ أصدرته الحكومة البريطانيّة خلال الحرب العالمية الأولى لإعلان دعم تأسيس «وطن قوميّ للشعب اليهوديّ» في فلسطين، التي كانت منطقة عثمانية ذات أقليّة يهوديّة (حوالي 3-5% من إجماليّ السكان). ونصها (مترجماً إلى العربيّة):

«تنظر حكومة صاحب الجلالة بعين العطف إلى إقامة وطن قوميّ للشعب اليهوديّ في فلسطين، وستبذل غاية جهدها لتسهيل تحقيق هذه الغاية، على أن يفهم جلياً أنه لن يؤتى بعمل من شأنه أن ينتقص من الحقوق المدنية والدينية التي تتمتع بها الطوائف غير اليهودية المقيمة في فلسطين، ولا الحقوق أو الوضع السياسي الذي يتمتع به اليهود في أي بلد آخر.»

ضُمِّنَ هذا الوعد ضمن رسالة بتاريخ 2 نوفمبر/تشرين الثاني عام 1917 مُوَجَّهَةٌ من وزير خارجيّة المملكة المتحدة آرثر بلفور إلى اللورد ليونيل دي روتشيلد أحد أبرز أوجه المجتمع اليهودي البريطاني، وذلك لنقلها إلى الاتحاد الصهيوني لبريطانيا العُظمى وإيرلندا. نُشر نص الوعد (أو الإعلان) في الصحافة في 9 نوفمبر/تشرين الثانيّ عام 1917.
وبعد إعلان المملكة المتحدة الحرب على الدولة العثمانية في نوفمبر 1914، بدأ مجلس وزراء الحرب البريطانيّ حالاً في النظر في مستقبل فلسطين. وبحلول آواخر 1917، قبيل إعلان بلفور، ووصولها في الحرب العالميّة الأولى إلى طريق مسدود، إذ لم تشارك حليفتا بريطانيا بالحرب بشكل كامل؛ فالولايات المتحدة لم تعاني من ضرر كبير بسبب الحرب، وكان الروس في خضمّ ثورة 1917. كُسرت حالة الجمود جنوب فلسطين بقيام معركة بئر السبع في 31 أكتوبر/تشرين الأول عام 1917.

يمكن إرجاع أول مفاوضات على مستوىً عالٍ بين البريطانيين والصهيونيِين إلى مؤتمرٍ أُجري في 7 فبراير من عام 1917، تضمَّن السير مارك سايكس والقيادة الصهيونية. قادت النقاشات التي تلت هذا المؤتمر إلى طلب بلفور في 19 يونيو من روتشيلد وحاييم وايزمان لتقديم مشروع إعلان عام. نُوقشت مشاريع واقتراحات أُخرى أبعد من قِبل مجلس وزراء بريطانيا خلال سبتمبر/أيلول وأكتوبر/تشرين الأول مع مُدخلات صهيونيّة ومُعادية للصهيونيّة، ورئيس بلدية يافا الدكتور يوسف هيكل من دون أي تمثيل للسكان المحليين لفلسطين. أُذن بالإفراج عن الإعلان النهائيّ بحلول 31 أكتوبر/تشرين الأول، وكان لمناقشات مجلس الوزراء هذه فوائد بإطلاق بروباغاندا بين أوساط اليهود حول العالم لنيّة الحلفاء في الحرب.

ومثلت الكلمات الأولى في نص الوعد، أول تعبير عام عن دعم قوة سياسية كبيرة للصهيونية. لم يكن لمصطلح «وطن قومي» (وَرد في نص الإعلان باللغة الإنجليزيّة national home) أي سابقة في القانون الدولي، وقد أُورد المصطلح غامضاً عمداً دون الإشارة إلى إقامة دولة يهودية في فلسطين. كما لم يتم تحديد حدود فلسطين المعنيّة، وقد أكَّدت الحكومة البريطانيّة أن عبارة «في فلسطين» تشير إلى أن الوطني القومي اليهودي المُشار إليه لم يُقصد أن يُغطي كلَّ فلسطين. أُضيف الجزء الثاني من الوعد لإرضاء المعارضين لهذه السياسة، ممن ادعَوا أن هذا الإعلان سيضر بوضع السكان المحليِّين لفلسطين وسيشجع معاداة السامية الموجهة ضد اليهود في جميع أنحاء العالم. دعا الإعلان إلى حماية الحقوق المدنيّة والدينيّة للعرب الفلسطينيِّين، والذين كانوا يشكلون الأغلبية العُظمى من السكان المحليِّين لفلسطين آنذاك. اعترفت الحكومة البريطانيّة عام 1939 أنه كان من المفترض أخذ آراء السكان المحليين بعين الاعتبار، واعترفت عام 2017 بأنه كان ينبغي أن يدعو الإعلان لحماية الحقوق السياسيّة للعرب الفلسطينيِّين في ردها على الحملة الدولية أطلقها مركز العودة الفلسطيني في لندن لمطالبة الحكومة البريطانية الاعتذار عن وعد بلفور.[1][2]

كان لهذا الوعد آثار طويلة الأمد كثيرة. فقد زاد هذا الوعد من الدعم الشعبيّ للصهيونيّة في أوساط المجتمعات اليهوديّة في أنحاء العالم، وقاد إلى قيام فلسطين الانتدابية، وهو المصطلح الذي يشير حالياً إلى إسرائيل والأراضي الفلسطينية. ونتيجة لذلك، فقد تسبَّب هذا الوعد بقيام الصراع العربي الإسرائيلي، الذي يُشار إليه غالباً بأكثر صراعات العالم تعقيداً. ولا يزال الجدال فيما يخصّ الوعد قائماً في كثير من النواحي، مثلاً الجدال فيما إذا كان الوعد يتعارض مع الوعود السابقة التي قطعها البريطانيُّون لشريف مكة خلال مراسلات الحسين – مكماهون.

خلفية

عدلعدل المصدر

الدعم البريطاني السابق

عدلعدل المصدر

وعد بلفورفي مثل هذا اليوم عام 1917
مقال بعنوان “مذكرة إلى ملوك البروتستانت في أوروبا لإعادة اليهود إلى فلسطين” كتبها اللورد شافتسبري، نُشرت عام 1841 في جريدة كولونيال تايمز

قام الدعم السياسي البريطانيّ للوجود اليهوديّ المتزايد في منطقة فلسطين على حسابات جيوسياسيّة.[3][i] بدأ هذا الدعم في أربعينيات القرن التاسع عشر[5] وقاده اللورد بالمرستون بعد احتلال الحاكم العثماني الانفصاليّ لمصر محمد علي، احتلاله لسوريا وفلسطين.[6][7] بدأ النفوذ الفرنسي ينمو في فلسطين والشرق الأوسط عموماً كحامية للمجتمعات الكاثوليكية، كما بدأ النفوذ الروسي أيضاً بالنمو باعتبار روسيا حامية للأرثوذوكس الشرقيين في ذات المناطق. ترك هذا بريطانيا دون أي نفوذ في تلك المناطق، [6] لذا احتاجت بريطانيا أن تجد أو تخلق «من تحميه» في هذه المناطق.[8] دعمت المشاعر المسيحية المتعاطفة مع «إعادة اليهود» إلى فلسطين بين أوساط النخبة السياسيّة البريطانيّة منتصف القرن التاسع عشر، هذه الاعتبارات السياسيّة البريطانيّة، وكان من أبرز الشخصيّات الداعمة لهذا الأمر اللورد شافتسبري.[ii] وقد شجَّعت وزارة الخارجيّة البريطانيّة هجرة اليهود بنشاط إلى فلسطين، ومثالها نصائح تشارلز هنري تشرشل[الإنجليزية] في 1841-1842 لموسى مونتيفيوري زعيم الجماعة اليهودية البريطانية.[10][ا] لم تنجح هذه الجهود الباكرة في زيادة الهجرة اليهوديّة؛[10][iii] كان 24 ألف يهوديّ فقط يعيشون في فلسطين عشية ظهور الصهيونية داخل المجتماعات اليهوديّة في العالم في العقدين الأخيرين من القرن التاسع عشر.[12] ومع التراجع الجيوسياسي الناجم عن اندلاع الحرب العالمية الأولى، أدَّت الحسابات القديمة، التي أُهملت لبعض الوقت، أدَّت إلى تجديد التقييمات الاستراتيجية وقيام مفاوضات سياسيّة على منطقتي الشرق الأوسط والشرق الأقصى.[7]

بدايات الصهيونية

عدلعدل المصدر

نشأت الصهيونية آواخر القرن التاسع عشر كردَّة فعلٍ على الحركات القوميّة المعادية للسامية والإقصائيّة في أوروبا.[13][iv][v] ساعدت أيضاً القوميّة الرومانسيّة في شرق ووسط أوروبا على إطلاق الهاسكالا أو حركة «التنوير اليهوديّ»، مما خلق انقساماً في المجتمع اليهوديّ بين أولئك الذي رأوا اليهوديّة كدين لهم وأولئك الذين رأوها كعرقيتهم أو أمتهم.[13][14] وقد شجَّعت برامج الإبادة اليهودية في روسيا القيصريّة تنامي الهويّة الأخيرة، مما أدى إلى تشكيل منظمة أحباء صهيون، ونشر ليون بينسكر لـكتابه «الانعتاق الذاتي» وأول موجة رئيسية للهجرة اليهوديّة إلى فلسطين، والتي سُميت بـ«عليا الأولى».[16][17][14]

وعد بلفورفي مثل هذا اليوم عام 1917
اِعتُمد “برنامج بازل” في المؤتمر الصهيونيّ الأول عام 1897. وينص السطر الأول على ما يلي: “تسعى الصهيونيّة لتأسيس “وطن للشعب اليهوديّ في فلسطين مضمون تحت القانون العام”.

عام 1896، نشر تيودور هرتزل، وهو صحفيّ يهوديّ يعيش في الإمبراطورية النمساوية المجرية، نشر النص الأساسيّ للصهيونيّة السياسيّة بكتاب تحت عنوان الدولة اليهودية (بالألمانيّة: Der Judenstaat)، وقد أكَّد في هذا الكتاب على أن الحل الوحيد للمسألة اليهوديّة في أوروبا، بما فيها تنامي معاداة الساميّة هو تأسيس دولة لليهود.[18][19] وبعد عام، أسَّس هرتزل المنظمة الصهيونية، التي دعت في أولى مؤتمراتها إلى تأسيس «وطن للشعب اليهوديّ في فلسطين تحت حماية القانون العام». تضمَّنت التدابير المقترة لتحقيق هذا الهدف، تعزيز الاستيطان اليهودي في فلسطين، وتنظيم اليهود في الشتات، وتعزيز الشعور والوعي اليهوديّ، والخطوات التحضيريّة للحصول على المنح الحكوميّة اللازمة.[19] توفي هرتزل عام 1904 دون أن يحصل على أي مكانة سياسيّة مطلوبة لتنفيذ أجندته.[12]
انتقل القائد الصهيونيّ حاييم وايزمان، وهو أحد رؤساء المنظمة الصهيونية العالمية، انتقل من سويسرا إلى المملكة المتحدة عام 1904 والتقى بآرثر بلفور، الذي أطلق حملته الانتخابيّة 1905-1906 بعد استقالته من منصب الوزير الأول[20] في وقت سابق من العام ذاته، حيث التقيا في جلسة نظَّمها تشارلز دريفوس ممثل بلفور في الدوائر اليهوديّة.[vi] وفي وقت مُبكر من هذا العام، استطاع بلفور الدفع بقانون الأجانب إلى البرلمان، بالإضافة إلى خطابات عاطفيّة تتحدَّث عن ضرورة تقييد موجة هجرة اليهود الفارين من الإمبراطوريّة الروسيّة إلى بريطانيا.[22][23] وقد تساءل بلفور خلال هذا اللقاء عن اعتراض وايزمان على خطة أوغندا لعام 1903 التي دعمها هرتزل لتوفير جزء من شرق إفريقيا البريطاني للشعب اليهوديّ كوطن. كان جوزيف تشامبرلين سكرتير الدولة للمستعمرات في حكومة بلفور قد اقترح هذا المخطط على هرتزل، وذلك بعد رحلته إلى شرق إفريقيا في وقت سابق من هذا العام، [vii] تم التصويت على هذا المخطط بعد وفاة هرتزل في المؤتمر الصهيونيّ السابع عام 1905[viii] بعد عامين من النقاش الدائر في المنظمة الصهيونيّة.[26] ردَّ وايزمان أنه يعتقد بأن الإنجليزيّة تنتمي للندن كما ينتمي اليهود إلى القدس.[ب] وقد التقى وايزمان والبارون إدموند روتشيلد، وهو عضو في الفرع الفرنسيّ لعائلة روتشيلد وداعم رئيسي للحركة الصهيونية، التقيا للمرة الأولى في يناير/كانون الثاني 1914،[28] ليتحدثا عن مشروع بناء جامعة في القدس.[28] لم يكن البارون روتشيلد جزءاً من المنظمة الصهيونيّة العالميّة، ولكنه أسَّس المستعمرات الزراعية اليهودية للعليا الأولى وقام بنقلهم إلى الرابطة الاستعمارية اليهودية عام 1899.[29] آتى هذا الاتصال أُكله في وقت لاحق من هذا العام، عندما طلب ابن البارون وهو جايمس دي روتشيلد، طلب لقاء وايزمان في 25 نوفمبر 1914، لكي يتطوَّع في التأثير على بعض من يعتبرون مقبولين في الحكومة البريطانية لأجندتهم لإقامة «دولة يهوديّة» في فلسطين.[ج][31] ومن خلال دوروثي زوجة جايمس، التقى وايزمان بروتزيسكا روتشيلد التي قدَّمته إلى الفرع الإنجليزيّ للعائلة، وتحديداً زوجها تشارلز وأخوه الأكبر منه والتر وهو عالم حيوان وعضو مؤسس في البرلمان.[32] كان لوالدهما ناثان روتشيلد البارون الأول في العائلة ورئيس الفرع الإنجليزيّ من العائلة، كان له موقف متريّث من الصهيونيّة، ولكنه مات في مارس/آذار من عام 1915 وورث ابنه والتر اللقب عنه.[32][33]
وقبيل إعلان وعد بلفور، كان حوالي 8.000 من أصل 300.000 يهودي بريطاني ينتمون إلى المنظمة الصهيونيّة.[34][35] وعلى المستوى العالمي، بحلول 1913، وهو آخر تاريخ معروف قبيل الإعلان، كان نسبة من ينتمون إلى الصهيونية تُعادل 1% من اليهود.[36]

فلسطين العثمانية

عدلعدل المصدر

[[ملف:|1350px|alt=|link=COMMONS:File:]]

 

خريطة رسمها الجغرافيّ والمؤخ العثماني مصطفى بن عبد الله الشهير باسم كاتب جلبي أو حاجي خليفة (1609-1657)، يظه في الخريطة عبارة “أرض فلسطين” ممتدة على طول نهر الأردن.[37]

بحلول عام 1916، كانت فلسطين قد أمضت أربعة قرون تحت الحكم العثماني.[38] ولمعظم هذه الفترة، مثَّل اليهود أقليّة صغيرة، تبلغ حوالي 3% من مجموع السكّان، بينما مثَّل المسلمون أكبر شريحة اجتماعيّة من السكان، يأتي بعدهم المسيحيون في المرتبة الثانية.[39]
بدأ العثمانيون بالتضييق على الهجرة اليهودية في آواخر 1882، كردة فعل على موجة «عليا الأولى» التي بدأت في وقت باكر من العام ذاته.[40] وعلى الرغم من أن هذه الموجة من الهجرة قد خلقت توتُّراً مع السكان المحليين، خاصة في أوساط التجّار والطبقات البارزة في المجتمع، فقد أعطى الباب العالي (الحكومة العثمانية المركزية) اليهود الحقوق ذاتها التي يمتلكها العرب في شراء الأراضي في فلسطين، وبحلول 1914 ارتفعت نسبة السكّان اليهود إلى 7% تقريباً.[41] في الوقت ذاته ومع تزايد عدم ثقة العرب بتركيا الفتاة- القوميّون الأتراك الذين تولَّوا حكم الإمبراطوريّة العثمانية في 1908- ومع بدء موجة هجرة عليا الثانية، تصاعدت القوميّة العربيّة ومعاداة الصهيونيّة في فلسطين.[41][42] لا يعلم المؤرخون ما إذا كانت هذه الحشود وتعزُّز هذه الأفكار ستؤدي إلى الصراع العربي الإسرائيلي ذاته فيما لو لم يعد بلفور اليهود بإقامة وطن في فلسطين.[ix]

الحرب العالمية الأولى

عدلعدل المصدر

1914-1916: مناقشات الصهيونيّة-الحكوميّة البريطانيّة الأولى

عدلعدل المصدر

في يوليو 1914 اندلعت الحرب في أوروبا بين الوفاق الثلاثي (بريطانيا وفرنسا والإمبراطورية الروسية) ودول المركز (الإمبراطورية الألمانية والإمبرطورية النمساوية المجرية، انضمت إليهما الإمبراطوريّة العثمانيّة في آواخر هذا العام).[44]
ناقشت الحكومة البريطانية لأول مرة الصهيونيّة في لقاء وقع في 9 نوفمبر/تشرين الثاني 1914، بعد أربع أيام من إعلان بريطانيا للحرب على الإمبراطوريّة العثمانيّة، التي كانت تدير أرض فلسطين تحت اسم متصرفية القدس.[45] أشار ديفيد لويد جورج مستشار الخزانة آنذاك، خلال اللقاء إلى «مصير فلسطين النهائيّ».[46] وكان شركة المستشار «لويد جورج وشركاؤوه» قد انخرطت قبل عقد من الزمن بالاتحاد الصهيونيّ لبريطانيا العُظمى وإيرلندا للعمل على مخطط أوغندا، [47] وسيصبح هذا المستشار فيما بعد رئيساً للوزراء في وقت إعلان وعد بلفور، ويُعتبر المسؤول عن الإعلان.[48]

وعد بلفورفي مثل هذا اليوم عام 1917
مذكرة مجلس الوزراء في عهد هربرت صموئيل، تحت عنوان مستقبل فلسطين (الإنجليزية: The Future of Palestine) نُشرت في أوراق مجلس الوزراء البريطانيّ في حوالي 15 يناير/كانون الثاني 1915

وقد انتعشت جهود وايزمان السياسيّة، [د] وفي 10 ديسمبر/كانون الأول 1914 التقى مع هربرت صموئيل، عضو مجلس الوزراء البريطانيّ وعالم يهوديّ درس الصهيونيّة؛[50] وقد اعتقد صموئيل أن مطالب وايزمان متواضعة جداً.[ه] وبعد يومين، التقى وايزمان بلفور مجدداً، لأول مرة منذ لقائهم الأول عام 1905، كان بلفور قد خرج من الحكومة منذ هزيمته الانتخابيّة عام 1906، ولكنه ظل عضواً بارزاً في حزب المحافظين باعتبارهم المعارضة الرسميّة.[و]
بعد شهر، نشر صموئيل مذكرة بعنوان (الإنجليزية: The Future of Palestine) (العربيّة: مستقبل فلسطين) لزملائه في مجلس الوزراء. وقد جاء في المذكرة: «إنني أؤكِّدُ أن حل مشكلة فلسطين الذي سيلقى أكبر ترحيب بين قادة الحركة الصهيونيّة وداعميهم هو ضم البلاد إلى الإمبراطورية البريطانية».[53] ناقش صموئيل نسخةً من مذكرته مع ناثان روتشيلد في فبراير 1915، قبل شهر من وفاة الأخير.[33] كانت هذه أول مرة يُقترح فيها دعم اليهود كإجراء حربيّ في سجلّ رسميّ.[54]
تبع هذا العديد من المناقشات، بما في ذلك اللقاءات الأوليّة عامي 1915 و1916 بين لويد جورج الذي عُيِّن وزيراً للخارجيّة في مايو/أيَّار 1915،[55] ووايزمان الذي عُيِّن مستشاراً علميّاً للوزارة في سبتمبر/أيلول 1915.[56][55] وصف جورج لويد في مذكّراته بعد سبع عشر عاماً هذه اللقاءات بأنها “منبع وأصل” الإعلان، إلا أن عدداً من المؤرخين رفضوا هذا الإدّعاء.[ز]

1915-1916: التعهدات البريطانية السابقة لوعد بلفور بخصوص فلسطين

عدلعدل المصدر

وعد بلفورفي مثل هذا اليوم عام 1917
مقتطفات من الوثيقة CAB 24/68/86 (نوفمبر 1918) ووثيقة تشرشل البيضاء أو ما يُدعى بالكتاب الأبيض (يونيو 1922)
وعد بلفورفي مثل هذا اليوم عام 1917
خريطة من الوثيقة FO 371/4368 (نوفمبر 1918) تُظهر فلسطين ضمن المنطقة “العربيّة”[61]
تقول وثيقة الحكومة البريطانية الواردة أعلاه أن فلسطين كانت ضمن تعهد مكماهون لحسين قائد الثورة العربية، بينما تقول وثيقة تشرشل البيضاء أن فلسطين “اعتُبِرَت دائماً” مُستثناةً.[62][x]

في آواخر عام 1915، تبادل المندوب السامي البريطانيّ في مصر هينري مكماهون عشر رسائل مع حسين بن علي شريف مكة، وعد مكماهون حسين خلال هذه الرسائل بالاعتراف بالاستقلال العربيّ «ضمن الحدود المقترحة من قبل شريف مكة» في مقابل إطلاق حسين ثورةً ضد الدولة العثمانيّة. استُثني من هذا التعهُّد «أجزاء سوريا» الممتدة غرب «مناطق دمشق وحمص وحماة وحلب».[64][ح] وقد بقي هذا الاستثناء للساحل السوريّ محل نزاع حامٍ لعدة عقود تلت هذه المراسلات[66] باعتبار أن فلسطين تقع جنوب غرب دمشق وبسبب عدم ذكرها بشكل واضح.[64]

وعد بلفورفي مثل هذا اليوم عام 1917

 

فلسطين في خريطة اتفاقية سايكس بيكو، تظهر تحت عبارة international adminstration التي تعني “الإدارة الدوليّة” باللغة العربيّة، بالإضافة إلى وجود جيب مكون من خليج حيفا ومدينة حيفا وعكا تحت السيطرة البريطانيّة، بالإضافة إلى استبعاد المنطقة الواقعة جنوب الخليل[ط]

أطلق شريف مكة حسين بن عليّ الثورة العربيّة في الخامس من يونيو/حزيران عام 1916،[69] على أساس اتفاق مقايضة خلال المراسلات التي جرت بينهما.[70] وعلى الرغم مما سبق، فقد أبرمت حكومات المملكة المتحدة وفرنسا وروسيا خلال أقل من ثلاثة أسابيع اتفاقيَّةً سريّة دُعيت باتفاقية سايكس بيكو، وصفها بلفور فيما بعد بأنها «طريقة جديدة تماماً» لتقسيم المنطقة بعد اتفاقية 1915 التي «بدت منسيَّةً».[ي]

فاوض خلال هذه الاتفاقيّة الأنجلو-فرنسيّة آواخر عام 1915 وأوائل 1916 السير مارك سايكس عن بريطانيا وفرانسوا جورج بيكو عن فرنسا، مع وضع ترتيبات أوليّة في مذكرة مشتركة في 5 يناير/كانون الثاني عام 1916.[72][73] كان سايكس نائباً محافظاً بريطانياً ترقَّى في المناصب حتى وصل إلى موقع ذو تأثير هام في سياسة بريطانيا فيما يتعلّق بالشرق الأوسط، بدءاً من مقعده في لجنة دي بونسن عام 1915 ومبادرته لإنشاء المكتب العربي.[74] بينما كان بيكو ديبلوماسيَّاً وقنصلاً عاماً سابقاً في بيروت.[74] حددت هذه الاتفاقيّة مجالات النفوذ والسيطرة غرب آسيا في حال نجاح التحالف الثلاثي في هزيمة الدولة العثمانية خلال الحرب العالمية الأولى، [75][76] حيث قاموا بتقسيم الأراضي العربية إلى مناطق إدارة فرنسيّة وبريطانيّة. في فلسطين، تم الاتفاق على إقامة إدارة دوليّة، [75][76] مع التأكيد على تشكيل الإدارة بعد التشاور مع حسين وروسيا، [75] وقد أشارت الاتفاقيّة إلى مصالح المسلمين والمسيحيِّين وأن «لأعضاء المجتمع اليهوديّ في جميع أنحاء العالم اهتمام ضميريّ وعاطفيّ بمستقبل البلاد.»[73][77][يا] وحتى قبيل هذه المرحلة لم تجرِ أي مُفاوضات نشطة مع الصهاينة، ولكن سايكس كان مدركاً للصهيونيّة وكان على اتصال مع موسى جاستر- وهو رئيس الاتحاد الصهيونيّ الإنجليزيّ السابق[79]– ومن الممكن أن يكون قد اطَّلع على مذكرة صموئيل.[77][80] وبرأي سايكس فإن هذا الاتفاق الذي حمل اسمه قد عفا عليه الزمان حتى قبل أن يُوقَّع في مارس/آذار 1916، فقد كتب سايكس في رسالة خاصة: «برأيي الصهاينة الآن هم مفتاح الوضع».[81] يُنظر إلى هذه المبادرات في أيام الحرب، بما في ذلك وعد بلفور، من قبل المؤرخين معاً بسبب إمكانيّة عدم توافق هذه المبادرات فيما بينها (سواء كان عدم التوافق حقيقياً أم مُتخيَّلاً) ولاسيّما فيما يتعلَّق بحسم قضيّة فلسطين.[82] يقول البروفيسور ألبرت حوراني مؤسس مركز الشرق الأوسط في كلية القديس أنطوني التابعة لجامعة أوكسفورد: «الجدال حول تفسير هذه الاتفاقيّات أمر من المستحيل أن ينتهي، لأنه كان من المقصود أن تحمل أكثر من تأويل.»[83]

1916-1917: التغيرات في الحكومة البريطانية

عدلعدل المصدر

فيما يتعلَّق بالسياسة البريطانيّة، جاء إعلان بلفور نتيجة وصول لويد جورج وحكومته التي حلّت محل حكومة هربرت أسكويث في ديسمبر 1916. وعلى الرغم من كون كلا رئيسي الوزراء ليبراليين (من الحزب الليبرالي) وكون حكومتيهما حكومتين ائتلافيَّتين في زمن حرب فإن لويد جورج وبلفور الذي عُيِّن وزيراً للخارجيّة فضَّلا تقسيم الإمبراطوريّة العثمانيّة بعد الحرب باعتباره هدفاً رئيسياً لبريطانيا من الحرب، بينما فضَّل أسكويث ووزير خارجيّته إدوارد جراي إعادة تشكيلها.[84][85]
وبعد يومين من تسلّم منصبه أخبر لويد جورج الجنرال روبرتسون رئيس هيئة الأركان العامة الإمبراطوريّة أنه يريد انتصاراً كبيراً، ويُفضَّل أن يستولي على مدينة القدس بغرض إثارة إعجاب الرأي العام البريطانيّ، [86] واستشار لويد جورج حالاً حكومة الحرب حول «حملة أُخرى على فلسطين بعد تأمين العريش.»[87] وقد أدَّت ضغوط لويد جورج على الرغم من تحفُّظات روبرتسون، أدَّت إلى إعادة السيطرة على سيناء وضمها إلى مناطق سيطرتها في مصر، وبسيطرة البريطانيين على العريش في ديسمبر/كانون الأول 1916 ورفح في يناير/كانون الثاني 1917وصلت القوات البريطانيّة إلى الحدود الجنوبيّة للدولة العثمانيّة.[87] ومن ثُمَّ فشلت محاولتان للسيطرة على غزَّة بين 26 مارس/آذار و19 أبريل/نيسان، حلَّ الركود لمدة ستة أشهر جنوب فلسطين؛[88] ولم تحقق حملة سيناء وفلسطين أي تقدّم في فلسطين حتى 31 أكتوبر 1917.[89]

1917: المفاوضات الرسمية البريطانية-الصهيونية

عدلعدل المصدر

بعد التغيُّر الحكومي البريطاني، كُلِّفَ مارك سايكس من قبل حكومة الحرب بمسؤولية شؤون الشرق الأوسط. في يناير/كانون الثاني من عام 1917، وعلى الرغم من أن مارك سايكس كان قد أسَّس علاقةً مع موسى جاستر سابقاً، إلا أنه بدأ بالبحث عن قادة صهاينة آخرين للقائهم؛ وبحلول نهاية الشهر كان سايكس قد تعرَّف على وايزمان وزميله ناحوم سوكولوف الصحفيّ والمدير التنفيذي للمنظمة الصهيونية العالمية بعد أن انتقل إلى بريطانيا بداية الحرب.[xi]
في 7 فبراير/شباط من عام 1917 دخل سايكس مُدعياً صفته الشخصيّة في مناقشات موضوعيّة مع القيادة الصهيونيّة.[يب] نُوقشت المراسلات البريطانيّة السابقة مع «العرب» خلال هذا الاجتماع. وقد سجّل سوكولوف ملاحظات عن وصف مارك سايكس بأن «العرب قد اعتبروا أنه ينبغي أن تكون اللغة هي المقياس [الذي تتحدد بموجبه أحقيّة السيطرة على فلسطين] و[بهذا المقياس] طالبوا بكل سوريا وفلسطين. لايزال من الممكن إدارة العرب، خاصةً إذا كانوا قد تلقَّوا الدعم اليهوديّ في قضايا أخرى.»[91][92][يج] وحتى هذه المرحلة لم يكن الصهاينة علم باتفاقيّة سايكس بيكو، على الرغم من شكوكهم في الأمر.[91] كانت أحد أهداف سايكس حشد الصهيونيّة لقضية سيادة البريطانيين على فلسطين، ليكون لديهم حجج تقدمها بريطانيا لفرنسا في هذا الأمر.[94]

أواخر 1917: مستجدات الحرب العالمية الأولى

عدلعدل المصدر

خلال هذه الفترة، أدَّت مناقشات حكومة الحرب البريطانيّة إلى إعلان الوعد، حيث كانت الحرب قد وصلت إلى حالةٍ من الجمود. فعلى الجبهة الغربية تحوَّلت الحرب لصالح قوى المحور ربيع 1918،[95] قبل حسم الأمور لصالح الحلفاء في يوليو 1918 وما تلاه.[95] وعلى الرغم من إعلان الولايات المتحدة الأمريكية الحرب على ألمانيا في ربيع عام 1917، لم تتكبد الولايات المتحدة الأمريكيّة أي ضحايا حتى 2 نوفمبر 1917،[96] حيث كان الرئيس الأمريكي وودرو ويلسون لايزال يأمل في تجنُّب إرسال قوات كبيرة إلى الحرب.[97] ومن المعروف أن القوَّات الروسيّة عانت من تشتُّتٍ بسبب الثورة الروسية والدعم المتزايد للبلاشفة، ورغم هذا بقيت حكومة ألكسندر كيرينسكي المؤقتة خلال الحرب. انسحبت روسيا فيما بعد من الحرب بعد المرحلة الأخيرة من الثورة في 7 نوفمبر/تشرين الثاني 1917.[98]

الموافقة على إصدار الوعد

عدلعدل المصدر

أبريل إلى يونيو: نقاشات الحلفاء

عدلعدل المصدر

التقى بلفور وايزمان في وزارة الخارجيّة يوم 22 مارس/آذار 1917، وبعد يومين وصف وايزمان اللقاء بأنه «أول محادثة عمل حقيقيّة لي [أي وايزمان] معه [أي بلفور]».[99] شرح وايزمان خلال اللقاء أن الصهاينة يُفضِّلُون فرض الحماية البريطانيّة على فلسطين بدلاً من الترتيبات الإدارية الأمريكية أو الفرنسيّة أو الدوليّة؛ وقد وافق بلفور، ولكنَّه حذّر من «وجود صعوبات مع فرنسا وإيطاليا».[99] تحدَّد الوضع الفرنسيّ فيما يتعلّق بفلسطين ومنطقة سوريا خلال الفترة التي سبقت إعلان وعد بلفور من خلال اتفاقية سايكس بيكو، وتعقَّد الموقف بدءاً من 23 نوفمبر من خلال معرفة فرنسا بوجود مناقشات بريطانيّة مع شريف مكّة.[100] قبيل عام 1917، قاد البريطانيُّون القتال على الحدود الجنوبيّة للدولة العثمانيّة وحدهم نظراً لوجودهم في مستعمرة مصر المُجاورة لهذه المنطقة فيما كان الفرنسيّون مشغولين في القتال على الجبهة الغربيّة في أراضي فرنسا.[101][102] كما لم تشمل مُشاركة إيطاليا إلى جانب بريطانيا وفرنسا في الحرب، والتي بدأت بعد معاهدة لندن في أبريل/نيسان 1915، لم تشمل هذه المشاركة أي انخراط في القتال في منطقة الشرق الأوسط حتى أبريل/نيسان 1917 وفق اتفاقية سانت جان دي مورين، ففي هذا المؤتمر، أثار لويد جورج قضية فرض الحماية البريطانيّة على فلسطين وقد تلقَّف [الفرنسيّون والإيطاليّون الفكرة] ببرودٍ شديد”.[103][104][يد] وفي مايو/أيَّار ويونيو/حزيران من عام 1917 أرسل الفرنسيّون والإيطاليّون مفارز لدعم البريطانيّين أثناء قيامهم بالتحضير لهجوم جديد على فلسطين.[101][102] في أوائل أبريل/نيسان عُيِّنَ سايكس وبيكو كمفاوِضَين رئيسيَّين مرَّةً أُخرى عن بريطانيا وفرنسا على الترتيب، هذه المرة في مهمة لمدة شهر في الشرق الأوسط لإجراء مناقشات مع شريف مكة والقادة العرب الآخرين.[105][يه] وفي 3 أبريل 1917، التقى سايكس بلويد جورج وكورزون وهانكي لتلقّي إرشاداته في هذا الصدد، وكانت إبقاء الفرنسيِّين جانباً في ظل “عدم المساس بالحركة الصهيونية” وإمكانيّة تطويرها تحت الإشراف البريطانيّ، [عدم] الدخول في أتي تعهّدات للعرب، ولاسيّما فيما يتعلَّق بفلسطين.”[107] وقبل السفر إلى الشرق الأوسط، قام بيكو عبر سايكس بدعوة ناحوم سوكولوف إلى باريس لتوعية الحكومة الفرنسية فيما يتعلّق بالحركة الصهيونيّة.[108] وقد قام سايكس بتهيئة الطريق من خلال مراسلات مع بيكو، [109] ووصل سايكس بعد عدة أيام من وصول سوكولوف، وفي غضون هذه الأيام، التقى سوكولوف ببيكو ومسؤولين فرنسيِّين آخرين، وأقنع وزارة الخارجيّة الفرنسيّة بقبول دراسة بيان أهداف الصهيونيّة “فيما يتعلَّق بتسهيلات الاستعمار والاستقلال الذاتي الجماعيّ وحقوق اللغة وتأسيس شركة يهوديّة مُرخَّصَة”.[110] توجَّه فيما بعد سايكس إلى إيطاليا مباشرةً وعقد اجتماعات مع السفير البريطاني وممثل الفاتيكان البريطانيّ لتمهيد الطريق أمام سوكولوف هناك.[111]

حظي سوكولوف بفرصة للقاء البابا بندكتوس الخامس عشر في 6 مايو/أيَّار 1917.[112]

وعد بلفورفي مثل هذا اليوم عام 1917
البابا بندكت الخامس عشر بابا الفاتيكان

وقد تضمَّنت ملاحظات سوكولوف عن اللقاء-وهو اللقاء الوحيد المعروف المحفوظ عند المؤرخين- تعبير البابا لتعاطفه ودعمه للمشروع الصهيونيّ.[113][xii]

في 21 مايو/أيار 1917، قدَّم أنجيلو سيريني رئيس لجنة الجاليات اليهوديّة، [يو] سوكولوف إلى سيدني سونينو وزير الشؤون الخارجيّة الإيطاليّ. كما استقبله باولو بوسيلي رئيس الوزراء الإيطاليّ. نسَّق سونينو للسكرتير العام للوزارة كي يرسل رسالة مفادها أنه على الرغم من أنه لم يتمكّن من التعبير عن نفسه فيما يتعلّق بمزايا هذا البرنامج الذي يهمّ جميع الحلفاء، فإنه «عمومًا» فإنه لم يكن مُعارضاً للادعاءات المشروعة لليهود.[119] وفي رحلة العودة، التقى سوكولوف القادة الفرنسيِّين مرَّة أُخرى وحصل على رسالة مؤرخة في 4 يونيو/حزيران 1917، تُعطي تأكيدات على تعاطف تجاه القضية الصهيونيّة من قبل جون كامبون رئيس القسم السياسيّ في وزارة الخارجيّة الفرنسيّة.[120] لم تُنشر هذه الرسالة، ولكنها أُودِعَت في وزارة الخارجيّة البريطانيّة.[xiii] بعد دخول الولايات المتحدة الأمريكية الحرب في 6 أبريل/نيسان، قاد وزير الخارجيّة البريطانيّة لـ«بعثة بلفور» إلى واشنطن ونيويورك حيث أمضى شهراً بين منتصف أبريل/نيسان ومنتصف مايو/حزيران. وخلال هذه الرحلة قضى وقتاً طويلاً في مناقشة الصهيونيّة مع لويس برانديز وصهيونيّ بارز وحليف مُقرَّب من ويلسون الذي عيَّن عضواً في المحكمة العليا قبل عام.[يز]

يونيو إلى يوليو: قرار تحضير إعلان الوعد

عدلعدل المصدر

وعد بلفورفي مثل هذا اليوم عام 1917
نسخة عن مسودة مقترحة من اللورد روتشيلد الأولى للوعد، مؤرَّخة بتاريخ 18 يوليو/تموز 1917.

بحلول يوم 13 يونيو/حزيران 1917، اعترف رونالد جراهام رئيس قسم شؤون الشرق الأوسط في وزارة الخارجيّة بأن السياسيِّين الثلاثة الأكثر بروزاً وهم رئيس الوزراء ووزير الخارجيّة ووكيل وزارة الدولة للشؤون الخارجيّة البرلمانيّ اللورد روبرت سيسل كانوا جميعاً مؤيدين لدعم بريطانيا للحركة الصهيونيّة؛[يح] وفي اليوم نفسه، كتب وايزمان لجراهام للدفاع عن الإعلان على الملأ.[يط][124]
بعد ستة أيام، في لقاء عُقد في 19 يونيو، طلب بلفور من اللورد روتشيلد ووايزمان تقديم صيغة للإعلان.[125] وخلال الأسابيع اللاحقة، أعدَّت لجنة المفاوضات الصهيونية مسوَّدة تحتوي على 143 كلمة، ولكنها اعتبرها سايكس وجراهام وروتشيلد شديدة التحديد في بعض المجالات الحسَّاسة.[126] وبشكل منفصل، أُعدت وزارة الخارجيّة مسودة مختلفة، وصفها هارولد نيكلسون عام 1961 وهو أحد من اشترك في إعدادها، وصفها بأنها اقتراح «ملاذ لضحايا الاضطهاد من اليهود».[127][128] وقد لقيت هذه المسودة مُعارضة قويّة من الصهاينة، وأُهملت في نهاية المطاف؛ كما لم يُعثر على أي نسخة من المسودة في أرشيفات وزارة الخارجيّة.[127][128]
بعد إجراء مناقشات أوسع، أُعدَّت مسودة أخرى تمت مراجعتها وكانت أقصر بكثير من سابقاتها بطول 46 كلمة فقط، أرسلها اللورد روتشيلد إلى بلفور يوم 18 يوليو/تموز.[126] تلقَّت وزارة الخارجيّة هذه المسودة، وعُرضت فيما بعد على مجلس الوزراء للنظر فيها بشكل رسميّ.[129]

سبتمبر إلى أكتوبر: القبول الأمريكي وموافقة حكومة الحرب في بريطانيا

عدلعدل المصدر

وعد بلفورفي مثل هذا اليوم عام 1917
جزء من مناقشات حكومة الحرب، تم النظر بآراء عشرة قادة يهود “ممثلين”. ضمّ المؤيدون أربعة أفراد من فريق التفاوض الصهيونيّ (روتشيلد ووايزمان وسوكولوف وصموئيل) وستيوارت صموئيل (الأخ الأكبر لهربرت صموئيل) والحاخام الأكبر جوزيف هرتز. فيما ضمّ فريق المعارضين إدوين صاموئيل مونتاجو وفيليب ماجنوس وكلاود مونتيفوري وليونيل كوهين.

اتُخذ قرار إعلان الوعد من قبل حكومة الحرب البريطانيّة في 31 أكتوبر 1917، وقد جاء هذا القرار بعد مناقشة امتدت لأربعة لقاءات حكوميّة (بما فيها لقاء 31 أكتوبر 1917)، وعُقدت هذه اللقاءات الأربعة على مدى شهرين.[129] وقد قام سكرتير حكومة الحرب البريطانيّة موريس هانكي وبدعم من الأمناء المساعدين[130][131]-في المقام الأول سايكس وزميله عضو البرلمان عن المحافظين والمؤيد للصهيونية ليو أمري- قام بعرض وجهات نظر خارجيّة أمام مجلس الوزراء. تضمنت وجهات النظر المعروضة آراء وزراء في الحكومة وحلفاء حرب-و لاسيّما الرئيس الأمريكيّ وودرو ويلسون- وفي أكتوبر قدَّم ستة قادة صهاينة وأربعة من اليهود غير الصهاينة عروضاً رسميّة أمام مجلس الوزراء.[129]
طلب مسؤولون بريطانيّون من الرئيس الأمريكيّ ويلسون موافقته على هذه المسألة في مناسبتين-الأولى في 3 سبتمبر/أيلول، وردّ حينها بأن الوقت لم يحن بعد، ومرَّةَ أُخرى في 6 أكتوبر/تشرين الأول وعندها وافق على إصدار الإعلان.[132]
ما يلي مقتطفات من محاضر اجتماعات مجلس الوزراء الأربعة، وهي تُقدِّم وصفاً للعوامل الأساسيّة التي أخذها الوزراء بعين الاعتبار أثناء هذه الاجتماعات:

  • 3 سبتمبر/أيلول: «بالإشارة إلى اقتراح إرجاء القضيّة، أشار [بلفور] إلى أن وزارة الخارجيّة كانت تحت ضغط شديد فيما يتعلّق بهذا الأم ولمدة طويلة. كان هناك منظمة قويّة ومُتحمِّسَةٌ للغاية، وعلى الأخص في الولايات المتحدة التي كانت متحمسة للغاية في هذه المسألة، وكان باعتقاده أنه سيكون هناك مساعدات كبير للحلفاء حتى يتحلَّوا بحماسة وجديّة هؤلاء الناس المتطوعين إلى جانبنا. كان عدم القيام بأي شيء مخاطرة بحدوث خرقٍ مع هؤلاء، وكان من الضروريّ أن نواجه هذا الوضع.»[133]
  • 4 أكتوبر 1917: «…قال [بلفور] أن الحكومة الألمانية بذلت جهوداً لإظهار التعاطف مع الحركة الصهيونيّة. وعلى الرغم من معارضة عدد من الأثرياء اليهود في هذه البلاد لهذه الحركة، فقد حصدت دعم أغلبيّة اليهود، في معظم الأحداث في روسيا وأمريكا، وربما في بلدان أُخرى… قرأ السيد بلفور فيما بعد إعلاناً شديد التعاطف من الحكومة الفرنسية نُقل إلى الصهاينة، وقد قال أنه علم أن الرئيس ويلسون موافقاً بشدة لهذه الحركة.»[134]
  • 25 أكتوبر 1917: «… ذكر السكرتير أنه كان هناك ضغوط من وزارة الخارجيّة لتقديم مسألة الصهيونيّة، وكان يُنظر إلى التسوية الباكرة بأهميّة كبيرة.»[135]
وعد بلفورفي مثل هذا اليوم عام 1917
محضر حكومة الحرب في بريطانيا للموافقة على إصدار وعد بلفور في 31 أكتوبر 1917
  • 31 أكتوبر 1917: «قال [بلفور] أنه فهم أن الجميع موافقون الآن، على أنه من وجهة نظر دبلوماسية وسياسيّة صرفة، كان من المرغوب أن يكون هناك إعلان مؤيد لتطلُّعات القوميّين اليهود. يبدو أن الغالبيّة العُظمى من يهود روسيا وأمريكا، كما في الواقع في جميع أنحاء العالم، موافقون للحركة الصهيونيّة. فإذا ما قمنا بصياغة إعلان مؤيد لمثل هذا التصوُّر، فيجب أن نكون قادرين على القيام بدعاية بروباغاندا مفيدة إلى أقصى حد في كلٍّ من روسيا وأمريكا.»[136]

صياغة الوعد

عدلعدل المصدر

سمح رفع الحظر عن أرشيف الحكومة البريطانيّة للعلماء بتجميع الصيغ المختلفة المقترحة للإعلان. فقد نشر ليونارد ستاين في كتابه الصادر عام 1961 أربع صياغات سابقة للإعلان.[137]
يعود تاريخ التبدُّلات التي طرأت على صياغة الوعد إلى إرشاد حاييم وايزمان لفريق الصياغة الصهيونيّ إلى بعض الأهداف في رسالة مُورَّخَةٍ بتاريخ 20 يونيو/حزيران عام 1917، بعد يوم واحد من لقاء وايزمان بروتشيلد وبلفور. حيث اقترح وايزمان أن ينصّ وعد الحكومة البريطانيّة على: «اقتناعها أو رغبتها أو نيَّتها دعم الأهداف الصهيونيّة لإنشاء وطن قوميّ يهوديّ في فلسطين؛ لا يجب الإشارة إلى القوّة المهيمنة لأن هذا سيخلق صعوبات للبريطانيّين مع الفرنسيِّين؛ يجب أن يكون إعلاناً صهيونيَّاً.»[84][138]
و بعد شهر من تسلُّم مسودة 12 يوليو/تموّز من روتشيلد، وهي المسودة ذات الصياغة منخفضة السقف، اقترح بلفور عدداً من التعديلات التقنيّة بشكل رئيسيّ.[137] فيما شملت المسودتان التاليتان تعديلات جوهريّة أكثر بكثير: فقد خفَّضت الأولى والتي ظهرت آواخر أغسطس/آب على يد اللورد ميلنر، أحد الوزراء الخمسة لحكومة لويد جروج الذين لا يحملون حقيبةَ الطموح الصهيونيّ في إقامة «الوطن القومي» على كامل فلسطين إلى «في فلسطين»، أما التعديل الجوهريّ الثاني فقد كان في أوائل أكتوبر/تشرين الأول حيث أضاف مينلر وأمري ما أسموه «بنود حماية».[137]

قائمة بالصيغ/المسودات المعروفة لوعد بلفور، تُظهر التغيرات بين الصيغ/المسودات المختلفة

جادل فيما بعد الكثير من الكُتَّاب في هويّة «المؤلف الأساسيّ» للوعد. وقد أوضح بروفيسور التاريخ الأكاديميّ في جامعة جورج تاون كارول كيوجليّ في كتابه المؤسسة الأنجلز-أمريكيّة الذي صدر عام 1981، رأيه بأن اللورد مينلر كان الكاتب الرئيسيّ للوعد، [xiv] وفيما بعد، افترض بروفيسور التاريخ الحديث في جامعة أبيرستويث في ويلز ويليام روبنشتاين أن أمري هو الكاتب الأصلي.[142] فيما كتبت سحر هنيدي أن دايفيد أورمسبي-جور ادَّعى خلال تقرير أعدَّه لإيفيلن شاكبيرج أن اشترك مع أمري بصياغة شكل المسودة النهائيّة للوعد.[143]

قضايا أساسية

عدلعدل المصدر

أُرسلت الصيغة التي اِتُفِقَ عليها للإعلان، والتي تتكون من جملة واحدة مؤلفة من 67 كلمة (بالإنجليزية)، [144] في يوم 2 نوفمبر/تشرين الثاني عام 1917 في رسالة قصيرة[145] من بلفور إلى والتر روتشيلد لنقلها إلى الاتحاد الصهيونيّ لبريطانيا العظمى وإيرلندا.[146] تضمن الإعلان أربع بنود، تضمن أول بندين وعداً بدعم «تأسيس وطن قوميّ للشعب اليهوديّ في فلسطين»، وتبعهما «بندان وقائيَّان»[147][148] مع احترام «الحقوق المدنيّة والدينيّة للمجتمعات غير اليهوديّة الموجودة في فلسطين»، و«الحقوق والوضع السياسيّ الذي يتمتع به اليهود في أي بلد آخر».[146]

«وطن قومي للشعب اليهودي» أم دولة يهودية

عدلعدل المصدر

هذه وثيقة مُصاغة بعناية شديدة ولكن بالنسبة لعبارة ‘وطن قوميّ للشعب اليهودي’ الغامضة إلى حدٍ ما، فيمكن اعتبارها غير ملزمة بما فيه الكفاية… لكن غموض العبارة المُشار إليها كان سبباً للمتاعب منذ البداية. استخدم أشخاص مختلفون في مناصب عليا لغةً من النوع الأكثر تحمُّلاً لمعاني قاصدين إعطاء انطباع مختلفاً جداً لتفسير أكثر اعتدالاً يمكن تحميله للكلمات. تجاهل الرئيس ويلسون جميع الشكوك ما المقصود من وجهة نظره عندما قال في مارس 1919 للقادة اليهود في أمريكا، “أنا أكثر مقتنع بأن دول الحلفاء، وبالموافقة الكاملة من حكومتنا وشعبنا قد اوفقت على أن يتم إقامة أسس الكومنولث اليهوديّ في فلسطين.’[ك] كما أعلن الرئيس ثيودور روزفلت أنه ينبغي أن تكون أحد شروط الحلفاء لإقامة السلام ‘أن تكون فلسطين دولة يهودية’. وقد تحدَّث السيد ونستون تشرتشل عن ‘دولة يهوديّة’، كما تحدَّث السيد بونار لو في البرلمان البريطاني عن ‘إعادة فلسطين لليهود’.”[150][كا]
—تقرير لجنة بالن، أغسطس/آب 1920[152]

صيغ مُصطلح «وطن قوميّ» غامضاً بشكل متعمَّد، [153] دون وجود أي قيمة قانونيّة أو سابقة تاريخيّة في القانون الدولي، [146] بحيث أن معناه غير واضح عند مقارنته بمصطلحات أُخرى كـ«الدولة».[146] فقد استخدم هذا المصطلح بدلاً عن مصطلح «الدولة» عن قصد بسبب وجود أصوات معارضة للبرنامج الصهيونيّ داخل أوساط الحكومة البريطانيّة.[146] ووفقاً للمؤرخ نورمان روز، فإن كبيري مهندسي إعلان بلفور ظنوا أن دولةً يهوديّة ستقوم مع مرور الوقت، بينما خلصت اللجنة الملكيّة الفلسطينيّة إلى أن الصياغة كانت «نتاج حل وسط بين أولئك الوزراء الذين ارتأوا إنشاء دولة يهوديّة وأولئك الذين لم يرتأوا.»[154][xv]
يمكن ملاحظة محاولات التأويل من خلال المراسلات التي أدّت إلى إصدار الشكل النهائي للوعد. فقد أرسل سايكس تقريراً رسمياً إلى حكومة الحرب بتاريخ 22 سبتمبر/أيلول قال فيه أن الصهاينة لا يريدون «إقامة جمهوريّة يهوديّة أو أي شكل آخر لدولة في فلسطين أو في أي جزء من فلسطين» ولكنهم يفضلون بدلاً من ذلك صيغة من صيغ الحماية المُقدَّمة على شكل انتداب على فلسطين.[كب] بعد شهر، كتب كورزون مذكّرةً[157] تم تدوالها في 27 سبتمبر/أيلول عام 1917 طرح فيها سؤالين، يكّز الأول على معنى عبارة «وطن قوميّ للعرق اليهوديّ في فلسطين»؛ حيث لاحظ أن هناك آراءاً مختلفة فيما يتعلَّق بالأمر تتراوح بين مركز روحيّ لليهود فقط وحتّى دولة كاملة.[158]
افترضت بعض الصحف البريطانية أنه كانت هناك رغبة بإقامة دولة يهوديّة حتى قبل إكمال الصيغة النهائية للإعلان.[xvi] كما بدأت الصحف في الولايات المتحدة باستخدام مصطلحات «الوطن القوميّ اليهوديّ» و«دولة يهوديّة» و«جمهوريّة يهوديّة» و«كومنولث يهوديّ» بشكل متبادل.[160]
يُقدّم الخبير في المعاهدات دايفيد هنتر ميلر، والذي كان حاضراً في مؤتمر باريس للسلام وقد جمع في وقت لاحق خلاصة 22 مجلد من الوثائق، يُقدّم تقريراً عن قسم المخابرات في الوفد الأمريكي إلى مؤتمر باريس للسلام 1919 وهو المؤتمر الذي أوصى بـ«إقامة دولة مستقلة في فلسطين،» وأن هذا «سيكون سياسة عصبة الأمم للاعتراف بفلسطين كدولة يهوديّة، حالما تقوم فيها دولة يهوديّة على أرض الواقع.»[161][162] أبعد من ذلك نصح التقرير بإنشاء دولة فلسطينيّة مستقلة تحت انتداب بريطاني مشرع من عصبة الأمم. وأن يتم السماح بالاستيطان اليهودي وتشجيعه في هذه الدولة وأن تكون الأماكن المقدسة في هذه الدولة تحت سيطرة عصبة الأمم.[162] كما تحدَّثت مجموعة التحقيق الأمريكيّة للدراسة بإيجابيّة عن إمكانية قيام دولة يهوديّة في فلسطين في آخر المطاف إذا ما تواجدت التركيبة السكانية الملائمة لهذا الأمر.[162]
كتب المؤرخ ماثيو جايكوبز فيما بعد أن نهج الولايات المتحدة كان يعوقه «الغياب العام للمعرفة المتخصصة بالمنطقة» وأنه «مثل الكثير من أعمال لجنة التحقيق الأمريكيّة عن الشرق الأوسط، فإن التقارير عن فلسطين خاطئة للغاية» و«تفترض مسبقاً نتيجة الصراع». يقتبس ماثيو عن ميلر ما كتبه عن أحد التقارير عن تاريخ وتأثير الصهيونيّة بأنه «غير صالح على الإطلاق من أي نقطة استشراف وينبغي النظر إليها على أنها ليست أكثر من تقرير عن المستقبل»[163]
أكَّد اللورد روبرت سيسيل في 2 ديسمبر 1917 لجمهور يخطب فيه أن الحكومة قصدت أن «يهودا لليهود».[161]يرى يائير أورون أن سيسيل وباعتباره وكيل وزارة الدولة للشؤون الخارجية يمثل الحكومة البريطانية في احتفالية تجمع الاتحاد الصهيونيّ الإنجليزيّ «ربما قد ذهب أبعد من الموجز الرسميّ» في قوله (يستشهد بشتاين) «أمنيتنا أن تكون الدول العربية للعرب وأرمينيا للأرمن ويهودا لليهود».[164] وفي أكتوبر/تشرين الأول التالي، ناقش نيفيل تشامبرلاين أثناء ترؤوسه للقاء صهيونيّ موضوعَ «دولةٍ يهوديّة جديدة».[161] آنذاك كان تشامبرلاين عضواً في البرلمان عن دائرة برمنغهام، ليديوود، إذ أُعيد إحياء الفكرة مرَّةً أُخرى عام بعد موافقة تشامبرلاين على الكتاب الأبيض عام 1939، إذ ذكرت وكالة التلغراف اليهوديّة أن رئيس الوزراء «قد غيَّر رأيه بصورة ملحوظة خلال السنوات الواحدة والعشرين بين هذين الحدثين»[165] وبعد مرور عام وتحديداً في الذكرى الثانية لإعلان بلفور، قال الجنرال جان سمتس أن بريطانيا «ستفي بتعهدها… وأن دولةً يهوديّة عظيمةً ستقوم في نهاية المطاف.»[161] وبالمثل، قال تششل بعد عدّة أشهر:

«إذا ما كان هذا سيتم، كما قد يحدث، ينبغي أن ننشأ في حياتنا على ضفاف نهر الأردن تحت حماية التاج البريطاني دولةً يهوديّةً، قد تضمّ ثلاثة أو أربعة ملايين يهوديّ، هكذا حدث في تاريخ العالم سيكون مفيداً من كل ناحية.[166]»

وقد سأل آرثر ميغان خلال لقاء حكوميّ في 22 يونيو/حزيران عام 1921 تشرشل عن معنى الوطن القوميّ. فأجاب تشرشل قائلاً «إذا ما أصبحوا على مدار السنين أكثريَّةً في البلد، فإنهم سيأخذونه بشكل طبيعيّ….بالتناسب مع العرب. لقد تعهّدنا بعدم إخراج العرب من أرضهم أو سلبهم حقوقهم السياسيّة والاجتماعيّة».[167]

كما كتب بلفور رداً على كرزون في يناير/كانون الثاني 1919 «لم يطرح وايزمان أبداً فكرة المطالبة بحكومة يهوديّة في فلسطين. برأيي، ادعاءٌ كهذا غيرُ مقبول بشكل واضح، ولا أعتقد شخصيَّاً أنه ينبغي علينا أن نذهب أبعد من الإعلان الأصليّ الذي أعلنته للورد روتشيلد».[168]

في فبراير/شياط عام 1919 أصدرت فرنسا بياناً بأنها لا تُعارض وضع فلسطين تحت الوصاية البريطانيّة وتشكيل دولة يهوديّة.[161] وقد لاحظ فريدمان أيضاً تغيُّر موقف فرنسا؛[161] كما سجّل يهودا بلوم، عند مناقشته لموقف فرنسا «غير الودود تجاه الحركة القوميّة اليهوديّة» محتوى تقرير كتبه روبرت فانسيارات (عضو بارز في الوفد البريطانيّ إلى مؤتمر باريس للسلام) إلى كرزون في نوفمبر/تشرين الثاني عام 1920، إذ قال:

«وافق الفرنسيون على وطنٍ قوميّ يهوديّ لا على دولة يهوديّة. فقد اعتبروا أننا نتحرك مباشرةً باتجاه إقامة دولة، وكان آخر ما يمكن أن يفعلوه هو رفع السقف إلى دولة فسياستنا مرفوضة بالنسبة لهم.[169]»

كما أخبر وزير خارجيّة اليونان لمحرر جريدة سالونيكا اليهوديّة الموالية لإسرائيل أن «تأسيس دولة يهوديّة يلقى في اليونان تعاطفاً كاملاً وصادقاً… ستصبح فلسطين اليهوديّة حليفاً لليونان.»[161] أما في سويسرا، فقد أيَّد عددٌ من المؤرخين بما فيهم الأساتذة توبلر وفوريل-يوفرن وروجاز، فكرةَ إقامة دولة يهوديّة مع إشارتهم إلى «الحق المقدّس لليهود».[161] بينما في ألمانيا، فقد اعتبر المسؤولون ومعظم الصحافة الألمانيّة الإعلان بمثابة إقامة دولية لليهود برعاية بريطانيّة.[161]

أوضحت الحكومة البريطانيّة، ولاسيّما تشرشل أن الإعلان لم يقصد تحويل كامل فلسطين إلى وطن قوميّ يهوديّ، «لكن ينبغي أن يكون مثل هذا الوطن في فلسطين.»[xvii]

كتب العقيد توماس إدوارد لورنس (لورنس العرب) في رسالة إلى تشرشل في 17 يناير/كانون الثاني إلى تشرشل أن الأمير فيصل أكبر أبناء الشريف حسين «قد وافق على التخلِّي عن كل ادَّعاءات والده بفلسطين» مقابل السيادة العربية على العراق وعبر الأردن وسوريا.[171][xviii] يناقش كاتب سيرة فيصل اجتماعاً مثيراً عُقِدَ في 20 يناير/كانون الثاني عام 1921 بين فيصل وحدَّاد وحيدر وليندسي ويونغ وكورنواليس، ويقول أن هذا اللقاء أدَّى إلى سوء فهم سيُستَغلّ فيما بعد ضد فيصل حيث ادَّعى تشرشل في البرلمان أن فيصل كان يعرف بأن أراضي فلسطين على وجه الخصوص كانت مُستبعَدَةً من وعود دعم مملكة عربيّة مستقلّة. يقول علّاوي أن محضر الاجتماع يظهر فقط أن فيصل قد قبل بتأويل الحكومة البريطانيّة للتبادلات دون الاتفاق بالضرورة معهم.[172] أكَّد تشرشل في البرلمان عام 1922 هذا، «…محادثة عُقِدَت في وزارة الخارجيّة في العشرين من يناير 1921، بعد أكثر من خمس سنوات من إتمام المراسلات التي اعتمدت عليها الادِّعاءات. في هذه المناسبة شُرِحَت وجهة نظر حكومة صاحبة الجلالة إلى الأمير، الذي أعرب عن استعداده لقبول البيان القائل بنيّة حكومة صاحبة الجلالة لاستبعاد فلسطين.»[173]}} أبرم الأمير فيصل ملك سوريا والعراق اتفاقاً رسمياً مع القياديّ الصهيونيّ حاييم وايزمان، إذ صاغ مسوّدة هذا الاتفاق العقيد توماس إدوارد لورنس، تضمّن هذا الاتفاق الإشارة إلى محاولة تأسيس علاقة سلام بين العرب واليهود في فلسطين.[174] وُقِّعَت اتفاقية فيصل-وايزمان في 3 يناير عام 1919، استمرت هذه الاتفاقيّة لمدة قصيرة وتضمنت تعاوناً عربياً يهودياً لتسهيل إنشاء وطن لليهود في فلسطين.[كج] وتعامل فيصل مع فلسطين بشكل مختلف فر عرضه في مؤتمر السلام في 6 فبراير/شباط 1919، إذ قال «فلسطين، وبسبب طابعها العالميّ، [ينبغي أن] تُترك على جانب واحد للنظر المتبادل بين جميع الأطراف المعنيّة».[176][177] لم تُنفَّذ هذه الاتفاقية على الإطلاق.[كد] وفي رسالة لاحقة كتبها لورنس عن توقيع فيصل للاتفاقيّة باللغة الإنجليزيّة، أوضح لورنس:

«نشعر أن العرب واليهود أبناء عمومة عرقياً، وأنهم يعانون من اضطهاد متشابه على أيدي قوى أقوى منهم، وبمصادفة سعيدة تمكنوا من اتخاذ الخطوة الأولى باتجاه تحقيق مُثُلِهِم القوميّة معاً. نحن العرب، لاسيّما المتعلمون بيننا، ننظر بأعمق مشاعر التعاطف مع الحركة الصهيونيّة… سنبذل قُصارى جهدنا، بقدر ما يهمنا، لمساعدتهم من خلالها؛ سنتمنى لليهود أشد الترحيبات القلبيّة.[174]»

عندما عُرضَت الرسالة على لجنة شاو عام 1929، تحدَّث رستم حيدر إلى فيصل في بغداد وأبرقَ بأن فيصل «لا يتذكّر أنه كتب أي شيء من هذا القبيل».[180] وفي يناير/كانون الثاني عام 1930 كتب حيدر لصحيفة في بغداد أن فيصل: «يجد من الغريب للغاية أن يُنسب الأمر إليه لأنه لن يفكر في أيّ وقت بالسماح لأي دولة أجنبيّة بالمشاركة في بلد عربيّ».[180] كما كتب عوني عبد الهادي سكرتير فيصل في مذكراته أنه لم يكن على علم بأن لقاءاً بين فرانكفورتر وفيصل قد عُقِد وأنه: «أعتقج أن هذه الرسالة، بافتراض أنها حقيقيّة، قد كتبها لورنس، وأن لورنس وقَّعها بالإنجليزيّة نيابةً عن فيصل. أعتقد أن هذه الرسالة جزء من الادعاءات الكاذبة التي اختلقها حاييم وايزمان ولورنس لتضليل الجمهور.»[180] وبحسب علاوي، فإن التفسير الأكثر ترجيحاً لرسالة فرانكفورتر هو أنه تمّ عقد اجتماع وقام لورنس بصياغة رسالة باللغة الإنجليزية، لكن «محتوياتها لم تكن واضحة تماماً لفيصل. ومن ثمّ تم حضّه أو لم يتم على التوقيع عليها»، وذلك باعتبارها تتعارض مع تصريحات فيصل العامّة والخاصة آنذاك.[181]وقد نقل ماتين عن فيصل خلال مقابلة في 1 مارس/آذار قوله:

يملي عليّ هذا الإحساس باحترام الأديان الأخرى رأيي عن فلسطين، جارتنا. أن يأتي اليهود غير السدعاء للإقامة هناك وأن يتصرّفوا كمواطنين جيّدين في هذا البلد، ستفرح إنسانيتنا بأنهم وُضعوا تحت حكومة مسلمة أو مسيحية مُفوَّضة من عصبة الأمم. إذا أرادوا إقامة دولة وأن يطالبوا بالحقوق السياديّة في هذه المنطقة، فإني أرى مخاطر جديّة للغاية. سيكون هناك تخوّف من حدوث صراع بينهم وبين الأعراق الأخرى.[182]

و بالرجوع إلى الكتاب الأبيض الصادر عام 1922، فقد كتب تشرشل لاحقاً أنه «لا يوجد فيه شيء يحول دون إقامة دولة يهوديّة في النهاية.»[183] وفي المستوى الخاصّ، فقد اتفق عدّة مسؤولين بريطانيّين مع تفسير الصهاينة بأن الدولة ستقوم عندما تتحقق الأغلبيّة اليهوديّة.[184]

التقى حاييم وايزمان بتشرشل ولويد جورج وبلفور في منزل بلفور في لندن في 21 يوليو/تمّوز عام 1921، وخلال هذا اللقاء قام لويد جورج وبلفور بطمأنة وايزمان «بأنهما كان يعنيان دولةً يهوديّة في نهاية المطاف»، وفقاً لمحضر وايزمان عن اللقاء.[185] قال لويد جورج عام 1937 أنه كان المقصود أن تصبح فلسطين كومنولث يهوديّ إذا وعندما «يصبح اليهود أغلبيّة حاسمة بين السكّان»، [كه] وكرَّر ليو أمري الموقف ذاته عام 1946,[كو] وفي تقرير لجنة اليونسكوب عام 1947، خضعت قضية الوطن مقابل الدولة للتدقيق، وقد وصلت اللجنة إلى نتيجة مماثلة لما خلص إليه لويد جورج.[xix]

نطاق الوطن القومي «في فلسطين»

عدلعدل المصدر

الحقوق المدنيّة والدينيّة للمجتمعات غير اليهوديّة في فلسطين

عدلعدل المصدر

الحقوق والحالة السياسيّة لليهود في البلدان الأخرى

عدلعدل المصدر

الصهيونية المبكرة

عدلعدل المصدر

نشأت الصهيونية في أواخر القرن التاسع عشر كرد فعل على الحركات القومية المعادية للسامية والإقصائية في أوروبا.[13][كز][كح] ساهمت القومية الرومانسية في أوروبا الوسطى والشرقية في انطلاق حركة التنوير اليهودي (الهسكالا) مما أدى إلى انقسام في المجتمع اليهودي بين من اعتبروا اليهودية دينهم ومن اعتبروها عرقهم أو أمتهم.[13][14] شجعت المذابح المعادية لليهود في الإمبراطورية الروسية بين عامي 1881 و1884 نمو الهوية الأخيرة مما أسفر عن تشكيل منظمات “هوفيفي تسيون” الرائدة ونشر كتاب ” التحرر الذاتي ” لليون بينسكر وأول موجة هجرة يهودية كبيرة إلى فلسطين والتي سُميت لاحقًا ” العليا الأولى”.[16][17][14]

وعد بلفورفي مثل هذا اليوم عام 1917
برنامج بازل الذي أُقرّ في المؤتمر الصهيوني الأول عام 1897. ينصّ السطر الأول منه على: “تسعى الصهيونية إلى إقامة وطن (هايمشتات) للشعب اليهودي في فلسطين مكفول بموجب القانون العام”.

في عام 1896 نشر تيودور هرتزل الصحفي اليهودي المقيم في النمسا-المجر النص التأسيسي للصهيونية السياسية “دولة اليهود” ( الدولة اليهودية) الذي أكد فيه أن الحل الوحيد لـ” المسألة اليهودية ” في أوروبا بما في ذلك تنامي معاداة السامية هو إقامة دولة لليهود.[18][19] بعد عام أسس هرتزل المنظمة الصهيونية التي دعت في مؤتمرها الأول إلى إنشاء “وطن للشعب اليهودي في فلسطين مكفول بموجب القانون العام”. وشملت التدابير المقترحة لتحقيق هذا الهدف تشجيع الاستيطان اليهودي هناك وتنظيم اليهود في الشتات وتعزيز الشعور والوعي اليهودي واتخاذ خطوات تمهيدية للحصول على المنح الحكومية اللازمة.[19] توفي هرتزل عام 1904 قبل 44 عامًا من قيام دولة إسرائيل الدولة اليهودية التي اقترحها دون أن يحظى بالمكانة السياسية اللازمة لتنفيذ برنامجه.[12]

انتقل الزعيم الصهيوني حاييم وايزمان الذي أصبح لاحقًا رئيسًا للمنظمة الصهيونية العالمية وأول رئيس لإسرائيل من سويسرا إلى المملكة المتحدة عام 1904 والتقى آرثر بلفور الذي كان قد أطلق لتوه حملته الانتخابية لعامي 1905-1906 بعد استقالته من منصب رئيس الوزراء[20] في جلسة رتبها تشارلز دريفوس ممثل دائرته الانتخابية اليهودية.[كط] في وقت سابق من ذلك العام نجح بلفور في تمرير قانون الأجانب في البرلمان بخطابات حماسية حول ضرورة الحد من موجة الهجرة إلى بريطانيا من اليهود الفارين من الإمبراطورية الروسية.[22] خلال هذا اللقاء سأل بلفور عن اعتراضات وايزمان على مشروع أوغندا لعام 1903 الذي أيده هرتزل لتخصيص جزء من شرق إفريقيا البريطانية للشعب اليهودي كوطن له. كان المخطط الذي اقترحه جوزيف تشامبرلين سكرتير المستعمرات في حكومة بلفور على هرتزل عقب رحلته إلى شرق إفريقيا في وقت سابق من ذلك العام[ل] قد رُفض لاحقًا بالتصويت بعد وفاة هرتزل من قبل المؤتمر الصهيوني السابع عام 1905[لا] بعد عامين من النقاش الحاد في المنظمة الصهيونية.[26] رد وايزمان بأنه يعتقد أن الإنجليز بالنسبة للندن كاليهود بالنسبة للقدس.[لب]

في يناير 1914 التقى وايزمان لأول مرة بالبارون إدموند دي روتشيلد أحد أفراد الفرع الفرنسي لعائلة روتشيلد وأحد أبرز الداعمين للحركة الصهيونية[28] وذلك فيما يتعلق بمشروع بناء جامعة عبرية في القدس.[28] لم يكن البارون عضوًا في المنظمة الصهيونية العالمية ولكنه موّل المستوطنات الزراعية اليهودية للهجرة الأولى (العليا) ونقلها إلى جمعية الاستيطان اليهودي عام 1899.[29] وقد أثمرت هذه العلاقة في وقت لاحق من ذلك العام عندما قام ابن البارون جيمس ديطلب روتشيلد عقد اجتماع مع وايزمان في الخامس والعشرين من الشهر الجاري.في نوفمبر 1914 جند للتأثيرة على من يُعتبرون متقبلين للأجندة الصهيونية في فلسطين داخل الحكومة البريطانية.[لج][31] ومن خلال زوجة جيمس دوروثي التقى وايزمان بروزيكا روتشيلد التي عرّفته على الفرع الإنجليزي للعائلة. وعلى وجه الخصوص زوجها تشارلز وشقيقه الأكبر والتر عالم الحيوان وعضو البرلمان السابق.[32] كان والدهم ناثان روتشيلد البارون الأول لروتشيلد رئيس الفرع الإنجليزي للعائلة متحفظًا تجاه الصهيونية لكنه توفي في مارس 1915 وورث والتر لقبه.[32][33]

قبل إعلان الاستقلال كان حوالي 8000 من أصل 300000 يهودي في بريطانيا ينتمون إلى منظمة صهيونية.[34][35] وعلى الصعيد العالمي اعتبارًا من عام 1913 وهو آخر تاريخ معروف قبل إعلان الاستقلال كانت النسبة المقابلة حوالي 1%.[36]

نطاق مفهوم الوطن القومي “في فلسطين”

عدلعدل المصدر

كان التصريح بأن مثل هذا الوطن سيُوجد “في فلسطين” بدلاً من “من فلسطين” مقصوداً أيضاً.[xx] وقد أشارت مسودة الإعلان المقترحة الواردة في رسالة روتشيلد المؤرخة 12 يوليو/تموز إلى بلفور إلى مبدأ “إعادة بناء فلسطين كوطن قومي للشعب اليهودي”.[190] وفي النص النهائي وبعد تعديل اللورد ميلنر حُذفت كلمة “إعادة البناء” واستُبدلت كلمة “التي” بكلمة “في”.[191][192]

وبذلك تجنب هذا النص اعتبار فلسطين بأكملها وطنًا قوميًا للشعب اليهودي مما أدى إلى جدل في السنوات اللاحقة حول النطاق المقصود لا سيما من جانب التيار الصهيوني التحريفي الذي ادعى أن فلسطين الانتدابية بأكملها وإمارة شرق الأردن وطنًا قوميًا لليهود[139][191] وقد وضح ذلك في الكتاب الأبيض لتشرشل عام 1922 الذي نص على أن بنود الإعلان المشار إليه لا تنص على تحويل فلسطين بأكملها إلى وطن قومي يهودي بل على تأسيس هذا الوطن ‘في فلسطين’.[193]

لم يتضمن الإعلان أي حدود جغرافية لفلسطين.[194] بعد انتهاء الحرب أصبحت ثلاث وثائق الإعلان ومراسلات مكماهون-حسين واتفاقية سايكس-بيكو أساسًا للمفاوضات الرامية إلى تحديد حدود فلسطين.[195]

الحقوق المدنية والدينية للمجتمعات غير اليهودية في فلسطين

عدلعدل المصدر

“مع ذلك إذا التزمنا التزامًا صارمًا ببنود بيان بلفور… فلا شكّ في ضرورة تعديل البرنامج الصهيوني المتطرف تعديلًا جذريًا. فـ”وطن قومي للشعب اليهودي” لا يعني تحويل فلسطين إلى دولة يهودية ولا يمكن إقامة مثل هذه الدولة اليهودية دون انتهاك جسيم للحقوق المدنية والدينية للجاليات غير اليهودية القائمة في فلسطين. وقد تجلّى هذا الأمر مرارًا وتكرارًا في مؤتمر اللجنة مع الممثلين اليهود حيث كان الصهاينة يتطلعون إلى تجريد سكان فلسطين غير اليهود الحاليين من ممتلكاتهم بصفة شبه كاملة عبر أشكال مختلفة من الشراء.”
تقرير لجنة كينغ-كرين، أغسطس 1919 [196]

نصّ البند الأول من بنود الضمان في الإعلان على حماية الحقوق المدنية والدينية لغير اليهود في فلسطين. وقد صاغ هذا البند إلى جانب بند الضمان الثاني ليو أميري بالتشاور مع اللورد ميلنر بهدف “الوصول إلى مستوى معقول من الاستجابة لمطالب المعترضين سواء كانوا يهودًا أو مؤيدين للعرب دون المساس بجوهر الإعلان المقترح”.[197][لد]

شكّل العرب حوالي 90% من سكان فلسطين[199][200] ولكن كما ذكر رونالد ستورز الحاكم العسكري البريطاني للقدس بين عامي 1917 و1920 لم يذكر أسمائهم تحديدًا بل جمعوا تحت التعريف السلبي والمهين لـ”المجتمعات غير اليهودية”.[له] إضافةً إلى ذلك لم يُشر إلى حماية الحقوق السياسية لهذه المجموعة كما هو الحال بالنسبة لليهود في بلدان أخرى.[201][202] وكثيرًا ما قورن هذا الإهمال بالالتزام تجاه المجتمع اليهودي حيث استُخدمت مصطلحات مختلفة على مر السنوات اللاحقة لاعتبار الالتزامين مرتبطين.[لو] وكان السؤال المطروح هو ما إذا كان لوضع كلتا المجموعتين “وزن متساوٍ” وهو ما اعتبرته الحكومة البريطانية ولجنة الانتدابات الدائمة هو الحال في الكتاب الأبيض لباسفيلد لعام 1930.[لز]

صرح بلفور في فبراير 1919 بأن فلسطين تُعتبر حالة استثنائية حيث أشار إلى السكان المحليين قائلاً: “نرفض عن قصد وبحق قبول مبدأ تقرير المصير”[لح] مع أنه اعتبر أن هذه السياسة تمنح اليهود حق تقرير المصير.[208] ويرى آفي شلايم أن هذا هو “أكبر تناقض” في الإعلان.[82] وقد أُعلن عن مبدأ تقرير المصير هذا في مناسبات عديدة لاحقة للإعلان. النقاط الأربع عشرة للرئيس ويلسون في يناير 1918 وإعلان سايكس للسبعة في يونيو 1918 والإعلان الأنجلو-فرنسي في نوفمبر 1918 وميثاق عصبة الأمم في يونيو 1919 الذي أسس نظام الانتداب. [لط] في مذكرة بتاريخ أغسطس 1919 أقر بلفور بالتناقض بين هذه التصريحات وأوضح كذلك أن البريطانيين لم يكونوا يعتزمون التشاور مع السكان الفلسطينيين الحاليين.[م] قاموا بإخفاء نتائج مشاورات لجنة التحقيق الأمريكية كينغ-كرين الجارية مع السكان المحليين والتي انسحبت منها بريطانيا لمدة ثلاث سنوات حتى قاموا بتسريب التقرير في عام 1922.[215] وقد أقرت الحكومات البريطانية اللاحقة بهذا القصور ولا سيما لجنة عام 1939 برئاسة اللورد المستشار فريدريك موم والتي خلصت إلى أن الحكومة لم تكن “حرة في التصرف في فلسطين دون مراعاة رغبات ومصالح سكان فلسطين”[216] وبيان وزيرة الدولة بوزارة الخارجية البريطانية البارونة أنيلاي الصادر في أبريل 2017 والذي أقرت فيه الحكومة بأن “الإعلان كان ينبغي أن يدعو إلى حماية الحقوق السياسية للطوائف غير اليهودية في فلسطين ولا سيما حقها في تقرير المصير”.[ما][مب]

حقوق اليهود ووضعهم السياسي في البلدان الأخرى

عدلعدل المصدر

وعد بلفورفي مثل هذا اليوم عام 1917
كتب إدوين مونتاجو الذي كان آنذاك اليهودي الوحيد في منصب حكومي بريطاني رفيع المستوى[220] مذكرة بتاريخ 23 أغسطس 1917 يدين فيها الصهيونية باعتبارها “عقيدة سياسية ضارة” ويصرح فيها باعتقاده أن: “سياسة حكومة جلالة الملك معادية للسامية في نتيجتها وستثبت أنها أرض خصبة لمعاداة السامية في كل دولة من دول العالم”.

كان بند الضمان الثاني التزامًا بعدم القيام بأي شيء قد يضر بحقوق المجتمعات اليهودية في البلدان الأخرى خارج فلسطين.[221] لم تتضمن المسودات الأصلية لروتشيلد وبلفور وميلنر هذا الضمان الذي قاموا بصياغته مع الضمان السابق في أوائل أكتوبر[221] وذلك لمراعاة معارضة أعضاء مؤثرين في المجتمع اليهودي البريطاني.[221] اعترض اللورد روتشيلد على هذا الشرط على أساس أنه يفترض مسبقًا احتمال وجود خطر على غير الصهاينة وهو ما نفاه.[222]

نشرت اللجنة الخارجية المشتركة لمجلس نواب اليهود البريطانيين والرابطة اليهودية الأنجلو-أمريكية رسالةً في صحيفة التايمز بتاريخ 24 مايو/أيار 1917 بعنوان “آراء اليهود الأنجلو-أمريكيين” موقعة من رئيسي المنظمتين ديفيد ليندو ألكسندر وكلود مونتيفيوري أعربا فيها عن رأيهما بأن: “إنشاء جنسية يهودية في فلسطين استنادًا إلى نظرية التشرد هذه سيؤدي حتمًا إلى تصنيف اليهود في جميع أنحاء العالم كغرباء في أوطانهم وتقويض مكانتهم التي نالوها بشق الأنفس كمواطنين ورعايا لهذه الأراضي”.[223] وفي أواخر أغسطس/آب تبع ذلك تصريحٌ لإدوين مونتاغو وهو يهوديٌّ نافذٌ مناهضٌ للصهيونية ووزير الدولة لشؤون الهند والعضو اليهودي الوحيد في مجلس الوزراء البريطاني الذي كتب في مذكرةٍ لمجلس الوزراء: “إن سياسة حكومة جلالة الملك معاديةٌ للسامية في نتيجتها وستُثبت أنها أرضٌ خصبةٌ للمعادين للسامية في كل دولةٍ من دول العالم”.[224]

رد فعل

عدلعدل المصدر

نُشر نص الإعلان في الصحافة بعد أسبوع من توقيعه في التاسع من الشهر.نوفمبر 1917.[225] وقعت أحداث أخرى ذات صلة خلال فترة زمنية قصيرة كان أبرزها الاستيلاء العسكري البريطاني شبه الفوري على فلسطين وتسريب اتفاقية سايكس-بيكو السرية سابقًا. عسكريًا سقطت كل من غزة ويافا في غضون أيام واستسلمت القدس للبريطانيين في 9 ديسمبر.[89] مثّل نشر اتفاقية سايكس-بيكو عقب الثورة الروسية في صحيفتي إزفستيا وبرافدا البلشفيتين في 23 نوفمبر 1917 وفي صحيفة مانشستر جارديان البريطانية في 26 نوفمبر 1917 لحظةً حاسمةً في حملة الحلفاء الشرقية:[226][227] “شعر البريطانيون بالحرج والعرب بالاستياء والأتراك بالسرور”. كان الصهاينة على دراية بخطوط عريضة للاتفاق منذ أبريل وتحديداً الجزء المتعلق بفلسطين وذلك عقب اجتماع بين وايزمان وسيسيل حيث أوضح وايزمان اعتراضاته على المخطط المقترح بصفه جليّه.[228]

رد الفعل الصهيوني

عدلعدل المصدر

وعد بلفورفي مثل هذا اليوم عام 1917
العدد الأول من مجلة “المكابيين” الصهيونية الرسمية عقب وعد بلفور

مثّل هذا الإعلان أول دعم علني للصهيونية من قِبل قوة سياسية كبرى[229] وقد حفّز نشره الحركة الصهيونية التي حصلت أخيرًا على ميثاق رسمي.[230] وإلى جانب نشره في الصحف الرئيسية وُزّعت منشورات في جميع أنحاء المجتمعات اليهودية. كما أُلقيت هذه المنشورات جوًا فوق المجتمعات اليهودية في ألمانيا والنمسا وكذلك منطقة الاستيطان اليهودي التي مُنحت لدول المحور بعد الانسحاب الروسي.[231]

جادل وايزمان بأن الإعلان سيكون له ثلاثة آثار: سيدفع روسيا إلى مواصلة الضغط على الجبهة الشرقية لألمانيا نظرًا لأن اليهود كانوا بارزين في ثورة مارس عام 1917 وسيحشد الجالية اليهودية الكبيرة في الولايات المتحدة للضغط من أجل تمويل أكبر للمجهود الحربي الأمريكي الجاري منذ أبريل من ذلك العام وأخيرًا سيقوض الدعم اليهودي الألماني للقيصر فيلهلم الثاني.[232]

أدى الإعلان إلى زيادة غير مقصودة واستثنائية في عدد أتباع الصهيونية الأمريكية ففي عام 1914 بلغ عدد أعضاء الجمعيات الصهيونية الأمريكية المئتين 7500 عضو ثم ارتفع إلى 30000 عضو في 600 جمعية عام 1918 ووصل إلى 149000 عضو عام 1919. وبينما اعتبر البريطانيون أن الإعلان يعكس هيمنة سابقة للموقف الصهيوني في الفكر اليهودي إلا أن الإعلان نفسه كان المسؤول لاحقاً عن شرعية الصهيونية وريادتها.[مج]

بعد شهر واحد بالضبط من صدور الإعلان أُقيم احتفالٌ كبير في دار الأوبرا الملكية حيث ألقى كبار الصهاينة وأعضاء الإدارة البريطانية بمن فيهم سايكس وسيسيل كلماتٍ بهذه المناسبة.[234] ومنذ عام 1918 وحتى الحرب العالمية الثانية احتفل اليهود في فلسطين الانتدابية بيوم بلفور كعيد وطني سنوي في 2نوفمبر.[235] شملت الاحتفالات مراسم في المدارس والمؤسسات العامة الأخرى ومقالات احتفالية في الصحافة العبرية.[235] في أغسطس 1919 وافق بلفور على طلب وايزمان بتسمية أول مستوطنة بعد الحرب في فلسطين الانتدابية” بلفوريا” تكريمًا له.[236][237] كان من المُراد أن تكون نموذجًا للمستوطنات التي تُستَخدم في الأنشطة اليهودية الأمريكية المستقبلية في فلسطين.[238]

سأل لويد جورج في 24 هربرت صموئيل عضو البرلمان الصهيوني الذي وضعت مذكرته عام 1915 إطارًا لبدء المناقشات في مجلس الوزراء البريطاني.في أبريل 1920 عُيّن أول حاكم مدني لفلسطين البريطانية خلفًا للإدارة العسكرية السابقة التي حكمت المنطقة منذ الحرب.[239] عكس هذا القرار موقفًا واضحًا مؤيدًا للصهيونية من جانب الحكومة البريطانية.[240] بعد فترة وجيزة من توليه منصبه في يوليو 1920 دُعي لقراءة الهافتارا من سفر إشعياء 40 في كنيس الخربة في[مد][242] الأمر الذي وفقًا لمذكراته جعل جماعة المستوطنين الأكبر سنًا يشعرون بأن “تحقيق النبوءة القديمة قد يكون وشيكًا أخيرًا”.[243]

المعارضة في فلسطين

عدلعدل المصدر

وعد بلفورفي مثل هذا اليوم عام 1917
نشرت صحيفة ” فلسطين” وهي الصحيفة العربية الفلسطينية الأكثر شعبية افتتاحية من أربع صفحات موجهة إلى اللورد بلفور في مارس 1925. وتبدأ الافتتاحية بعبارة “أنا أتهم!” في إشارة إلى الغضب من معاداة السامية الفرنسية قبل 27 عامًا.

عارضت الجالية المسيحية والمسلمة المحلية في فلسطين التي كانت تشكل ما يقرب من 90% من السكان هذا الإعلان بشدة.[199] وكما وصفه الفيلسوف الفلسطيني الأمريكي إدوارد سعيد في عام 1979 فقد نُظر إليه على أنه: “(أ)(ب) من قبل قوة أوروبية(ج) بشأن إقليم غير أوروبي(د) في تجاهل تام لوجود ورغبات الأغلبية الأصلية المقيمة في تلك المنطقة.واتخذ ذلك شكل وعد بشأن هذه المنطقة نفسها لمجموعة أجنبية أخرى.[مه]

بحسب لجنة كينغ-كرين لعام 1919 “لم يعتقد أي ضابط بريطاني ممن استشارهم المفوضون أن البرنامج الصهيوني قابل للتنفيذ إلا بالقوة المسلحة”.[245] وقد أعرب وفد من الجمعية الإسلامية المسيحية برئاسة موسى الحسيني عن استيائه العلني في 3في نوفمبر 1918 بعد يوم واحد من استعراض اللجنة الصهيونية بمناسبة الذكرى السنوية الأولى لوعد بلفور.[246] سلموا عريضة موقعة من أكثر من 100 شخصية بارزة إلى رونالد ستورز الحاكم العسكري البريطاني:

لاحظنا أمس حشدًا كبيرًا من اليهود يحملون لافتات ويجوبون الشوارع يهتفون بكلمات جارحة ومؤذية. يدّعون جهارًا أن فلسطين أرض آبائنا ومقبرة أجدادنا التي سكنها العرب لقرون طويلة والذين أحبوها واستشهدوا دفاعًا عنها أصبحت الآن وطنًا قوميًا لهم… نحن العرب مسلمون ومسيحيون لطالما تعاطفنا بشدة مع اليهود المضطهدين ومصائبهم في بلدان أخرى… ولكن ثمة فرق شاسع بين هذا التعاطف وبين قبول أمة كهذه… تحكمنا وتدير شؤوننا.[247]

كما احتجت المجموعة على رفع “رايات بيضاء وزرقاء جديدة تحمل مثلثين مقلوبين في المنتصف”[248] مُلفتةً انتباه السلطات البريطانية إلى العواقب الوخيمة لأي دلالات سياسية قد تترتب على رفع هذه الرايات.[248] وفي وقت لاحق من ذلك الشهر في الذكرى السنوية الأولى لاحتلال بريطانيا ليافا أرسلت الجمعية الإسلامية المسيحية مذكرةً وعريضةً مطولتين إلى الحاكم العسكري مُجددةً احتجاجها على أي قيام لدولة يهودية.[249] واعتبرت غالبية القادة العسكريين البريطانيين إعلان بلفور إما خطأً أو أنه ينطوي على مخاطر جسيمة.[250]

استجابة عربية أوسع

عدلعدل المصدر

في العالم العربي عموماً نُظر إلى هذا الإعلان على أنه خيانة للتفاهمات البريطانية مع العرب خلال الحرب.[232] واعتبر شريف مكة وقادة عرب آخرون هذا الإعلان انتهاكاً لالتزام سابق قُطع في مراسلات مكماهون-حسين مقابل إطلاق الثورة العربية.[82]

عقب نشر البيان في صحيفة المقطم المصرية[251] أرسلت بريطانيا القائد ديفيد جورج هوغارث للقاء الحسين في يناير 1918 حاملاً رسالة مفادها أن “الحرية السياسية والاقتصادية” للشعب الفلسطيني ليست موضع شك.[252] أفاد هوغارث أن الحسين “لن يقبل بدولة يهودية مستقلة في فلسطين ولم يُطلب مني تحذيره من أن بريطانيا العظمى تفكر في مثل هذه الدولة”.[253] كان الحسين قد علم أيضاً باتفاقية سايكس-بيكو عندما سربتها الحكومة السوفيتية الجديدة في ديسمبر 1917 لكنه اقتنع برسالتين مضللتين من السير ريجينالد وينجيت الذي حل محل ماكماهون كمفوض سامٍ لمصر يؤكدان له أن التزامات بريطانيا تجاه العرب لا تزال سارية وأن اتفاقية سايكس-بيكو ليست معاهدة رسمية.[76]

أدى استمرار القلق العربي إزاء نوايا الحلفاء خلال عام 1918 إلى إصدار الإعلان البريطاني للسبعة والإعلان الأنجلو-فرنسي الذي وعد بـ”التحرير الكامل والنهائي للشعوب التي عانت طويلاً من اضطهاد الأتراك وإقامة حكومات وإدارات وطنية تستمد سلطتها من حرية ممارسة المبادرة والاختيار للسكان الأصليين”.[76][254]

في عام 1919 رفض الملك حسين التصديق على معاهدة فرساي. وبعد فبراير 1920 توقفت بريطانيا عن دفع الإعانات له.[255] في أغسطس 1920 وبعد خمسة أيام من توقيع معاهدة سيفر التي اعترفت رسميًا بمملكة الحجاز طلب كرزون من القاهرة الحصول على توقيع حسين على المعاهدتين ووافق على دفع مبلغ 30 ألف جنيه إسترليني مشروطًا بالتوقيع.[256] رفض حسين وفي عام 1921 صرّح بأنه لا يُمكن توقّع أن “يُوقّع على وثيقة تُخصّص فلسطين للصهيونيين وسوريا للأجانب”.[257] عقب مؤتمر القاهرة عام 1921 أُرسل لورنس لمحاولة الحصول على توقيع الملك على معاهدة بالإضافة إلى فرساي وسيفر مع اقتراح إعانة سنوية قدرها 60 ألف جنيه إسترليني إلا أن هذه المحاولة باءت بالفشل أيضًا.[258] خلال عام 1923 بذل البريطانيون محاولة أخرى لتسوية القضايا العالقة مع حسين ولكن المحاولة باءت بالفشل مرة أخرى واستمر حسين في رفضه الاعتراف بوعد بلفور أو أي من الانتدابات التي اعتبرها من اختصاصه. في مارس 1924 وبعد دراسة وجيزة لإمكانية حذف المادة المثيرة للجدل من المعاهدة علّقت الحكومة أي مفاوضات أخرى[259] وفي غضون ستة أشهر سحبوا دعمهم لصالح حليفهم العربي المركزي ابن سعود الذي شرع في غزو مملكة حسين.[260]

الحلفاء والقوى المرتبطة بهم

عدلعدل المصدر

حظي الإعلان بتأييد حكومة أجنبية لأول مرة في 27 ديسمبر 1917 عندما أعلن الزعيم الصهيوني الصربي والدبلوماسي ديفيد ألبلا دعم حكومة صربيا في المنفى خلال مهمة إلى الولايات المتحدة.[261][262][263][264] وقدّمت الحكومتان الفرنسية والإيطالية تأييدهما في 14 فبراير و9 مايو 1918 على التوالي.[265] وفي اجتماع خاص عُقد في لندن في 1 ديسمبر 1918 اتفق لويد جورج ورئيس الوزراء الفرنسي جورج كليمنصو على بعض التعديلات على اتفاقية سايكس بيكو بما في ذلك السيطرة البريطانية على فلسطين.[266]

في 25 أبريل 1920 وضع مؤتمر سان ريمو الذي انبثق عن مؤتمر باريس للسلام وحضره رؤساء وزراء بريطانيا وفرنسا وإيطاليا والسفير الياباني لدى فرنسا والسفير الأمريكي لدى إيطاليا الشروط الأساسية لثلاثة انتدابات لعصبة الأمم: انتداب فرنسي على سوريا وانتداب بريطاني على بلاد ما بين النهرين وفلسطين.[267] وفيما يتعلق بفلسطين نص القرار على أن البريطانيين مسؤولون عن تنفيذ بنود وعد بلفور.[268] وقد أوضح الفرنسيون والإيطاليون استياءهم من “الطابع الصهيوني للانتداب الفلسطيني” واعترضوا بصفة خاصة على الصياغة التي لم تحمِ الحقوق “السياسية” لغير اليهود مُقرّين بادعاء كرزون بأن “جميع الحقوق العادية مُدرجة في “الحقوق المدنية” في اللغة البريطانية”.[269] بناءً على طلب فرنسا قاموا بالاتفاق على إدراج تعهد في المحضر الشفهي للانتداب ينص على أن ذلك لن ينطوي على التنازل عن الحقوق التي كانت تتمتع بها المجتمعات غير اليهودية في فلسطين.[268] وقد تضمن تأييد إيطاليا للإعلان الشرط التالي: “…على أساس عدم وجود أي تحيز ضد الوضع القانوني والسياسي للجماعات الدينية القائمة بالفعل…”[270] لم تُحدد حدود فلسطين “ليُحددها الحلفاء الرئيسيون”.[268] بعد ثلاثة أشهر في يوليو 1920 أدت هزيمة فرنسا لمملكة سوريا العربية بقيادة فيصل إلى حاجة بريطانيا لمعرفة “ما هي ‘سوريا’ التي حصلت فرنسا على انتداب عليها في سان ريمو؟” و”هل تشمل شرق الأردن؟”[271] وقررت لاحقًا اتباع سياسة ربط شرق الأردن بمنطقة فلسطين الخاضعة للانتداب دون إضافتها إلى منطقة الوطن القومي اليهودي.[272][273]

في عام 1922 أقرّ الكونغرس رسميًا دعم أمريكا لوعد بلفور من خلال تمرير قرار لودج-فيش[132][274][275] على الرغم من معارضة وزارة الخارجية.[276] ويجادل البروفيسور لورانس ديفيدسون من جامعة ويست تشيستر والذي يركز بحثه على العلاقات الأمريكية مع الشرق الأوسط بأن الرئيس ويلسون والكونغرس تجاهلا القيم الديمقراطية لصالح “الرومانسية الدينية” عندما أقرا الوعد.[277] ويشير إلى وجود جماعة ضغط منظمة مؤيدة للصهيونية في الولايات المتحدة والتي كانت نشطة في وقت لم يكن للجالية العربية الأمريكية الصغيرة في البلاد نفوذ سياسي يُذكر.[277]

دول المحور

عدلعدل المصدر

على الرغم من تحذير بلفور لمجلس الحرب من أن ألمانيا كانت تسعى لكسب الدعم الصهيوني إلا أن السلطات الألمانية كانت توازن بين مصالح مجتمعاتها اليهودية الصهيونية وغير الصهيونية (التي يمثلها اتحاد جمعية مساعدة اليهود في ألمانيا) وامتنعوا عن إظهار أي تحيز لأي من الطرفين. ونجحوا في حث العثمانيين على إظهار التسامح تجاه الصهاينة لكنهم لم يسعوا إلى شيء مماثل لوعد بلفور.[278]

قوبل نشر وعد بلفور بردود فعل تكتيكية من دول المحور.[279] ونظرًا لانضمام الإمبراطورية العثمانية إلى التحالف لم تتمكن ألمانيا من مواجهة الإعلان البريطاني بفعالية.[280] ورأى بعض المسؤولين في الحكومة الألمانية أن الدعم الصهيوني المحتمل للمجهود الحربي البريطاني خسارة كبيرة لجانبهم.[مو]

بعد أسبوعين من الإعلان أجرى أوتوكار تشيرنين وزير الخارجية النمساوي مقابلة مع آرثر هانتكه رئيس الاتحاد الصهيوني الألماني ووعد بأن حكومته ستؤثر على الأتراك بمجرد انتهاء الحرب.[281] في 12في ديسمبر أجرى الصدر الأعظم العثماني طلعت باشا مقابلة مع صحيفة فوسيشه تسايتونغ الألمانية[281] نُشرت في 31ديسمبر و إصداره لاحقًا في الدورية الألمانية اليهودية الصحيفة اليهودية في 4في يناير 1918[282][281] وصف البيان بأنه “خدعة”[281] (خداع) ووعد بأنه في ظل الحكم العثماني “ستُلبّى جميع الرغبات المشروعة لليهود في فلسطين” وذلك رهناً بقدرة الدولة على استيعابهم.[281] وقد أيدت وزارة الخارجية الألمانية هذا البيان التركي في 5يناير 1918.[281] في 8في يناير 1918 شكلت جمعية يهودية ألمانية وهي اتحاد المنظمات اليهودية الألمانية لحماية حقوق يهود الشرق[مز] للدفاع عن تحقيق المزيد من التقدم لليهود في فلسطين.[283]

في أعقاب الحرب وقّعت الإمبراطورية العثمانية معاهدة سيفر في 10أغسطس 1920.[284] حلّّت المعاهدة الإمبراطورية العثمانية وألزمت تركيا بالتخلي عن سيادتها على جزء كبير من الشرق الأوسط.[284] المادةتضمنت المادة 95 من المعاهدة بنود وعد بلفور فيما يتعلق بـ”إدارة فلسطين ضمن الحدود التي تحددها الدول الحليفة الرئيسية”.[284] ولأن إدراج الوعد في معاهدة سيفر لم يؤثر على الوضع القانوني للوعد أو الانتداب لم يكن هناك أي أثر أيضاً عندما حلت معاهدة لوزان محل سيفر إذ لم تتضمن أي إشارة إلى الوعد.[285]

في عام 1922 اتهم المنظّر الألماني المعادي للسامية ألفريد روزنبرغ، في مساهمته الرئيسية في النظرية النازية حول الصهيونية[286] بعنوان “الصهيونية عدو الدولة” الصهاينة الألمان بالعمل على هزيمة ألمانيا ودعم بريطانيا وتنفيذ وعد بلفور في نسخة من أسطورة الطعنة في الظهر.[مح] واتخذ أدولف هتلر نهجًا مشابهًا في بعض خطاباته بدءًا من عام 1920.[287]

الكرسي الرسولي

عدلعدل المصدر

مع صدور الإعلان ودخول البريطانيين إلى القدس في 9 ديسمبر عكس الفاتيكان موقفه المتعاطف السابق مع الصهيونية واتخذ موقفًا معارضًا استمر حتى أوائل التسعينيات.[288]

تطور الرأي العام البريطاني

عدلعدل المصدر

يُقال إن أثر وعد بلفور كان ترك المسلمين والمسيحيين في حالة ذهول. من المستحيل التقليل من مرارة تلك الصحوة. فقد اعتبروا أنهم سيُسلَّمون إلى ظلم يكرهونه أكثر بكثير من ظلم الأتراك وشعروا بالفزع من فكرة هذه الهيمنة. يتحدث كبار الشخصيات علنًا عن الخيانة وأن إنجلترا باعت البلاد وحصلت على الثمن أما تجاه الإدارة [الصهيونيون] فقد اتخذوا موقف “نريد الدولة اليهودية ولن ننتظر” ولم يترددوا في استخدام كل الوسائل المتاحة لهم في هذا البلد وخارجه لإجبار إدارة مُلزمة باحترام “الوضع الراهن” وإلزامها ومن ثم الإدارات اللاحقة بسياسة لم تكن واردة في وعد بلفور. ما هو أكثر طبيعية من ذلك [أن يفشل المسلمون والمسيحيون] في إدراك الصعوبات الهائلة التي كانت الإدارة ولا تزال تعاني منها وأن يتوصلوا إلى استنتاج مفاده أن كان من المقرر تلبية المطالب المعلنة لليهود علنًا وأن تصبح الضمانات الواردة في الإعلان مجرد حبر على ورق؟
تقرير لجنة بالين، أغسطس 1920[289]

كانت السياسة البريطانية كما وردت في الإعلان تواجه تحديات عديدة في تنفيذها خلال السنوات اللاحقة. أول هذه التحديات كانت مفاوضات السلام غير المباشرة التي جرت بين بريطانيا والدولة العثمانية في ديسمبر 1917 ويناير 1918 خلال فترة توقف الأعمال العدائية لموسم الأمطار[290] ورغم فشل هذه المحادثات تشير السجلات الأرشيفية إلى أن أعضاءً بارزين في مجلس الحرب ربما كانوا على استعداد للسماح بخروج فلسطين تحت سيادة تركية اسمية كجزء من اتفاق شامل.[291]

في أكتوبر/تشرين الأول 1919 بعد مرور عام تقريبًا على انتهاء الحرب خلف اللورد كرزون بلفور في منصب وزير الخارجية. كان كرزون عضوًا في مجلس الوزراء لعام 1917 الذي وافق على إعلان الحرب ووفقًا للمؤرخ البريطاني السير ديفيد جيلمور كان كرزون “الشخصية البارزة الوحيدة في الحكومة البريطانية آنذاك التي تنبأت بأن سياستها ستؤدي إلى عقود من العداء العربي اليهودي”.[292] ولذلك قرر اتباع سياسة تتماشى مع “تفسيرها الأضيق والأكثر حكمة بدلًا من التفسير الأوسع”.[293] بعد تعيين بونار لو رئيسًا للوزراء في أواخر عام 1922 كتب كرزون إلى لو معربًا عن اعتقاده بأن إعلان الحرب “أسوأ” التزامات بريطانيا تجاه الشرق الأوسط و”تناقض صارخ مع مبادئنا المعلنة”.[294]

في أغسطس 1920 أشار تقرير لجنة بالين وهي الأولى في سلسلة طويلة من لجان التحقيق البريطانية بشأن مسألة فلسطين خلال فترة الانتداب[295] إلى أن “وعد بلفور. هي بلا شك نقطة انطلاق المشكلة برمتها”. وقد ذكر التقرير الذي لم يُنشر وعد بلفور ثلاث مرات في خاتمته مشيراً إلى أن “أسباب اغتراب وتفاقم مشاعر الشعب الفلسطيني” تشمل ما يلي:

  • “عدم القدرة على التوفيق بين سياسة الحلفاء المعلنة بشأن تقرير المصير ووعد بلفور مما أدى إلى الشعور بالخيانة والقلق الشديد على مستقبلهم”[296]
  • “سوء فهم المعنى الحقيقي لوعد بلفور ونسيان الضمانات المحددة فيه بسبب الخطاب الفضفاض للسياسيين والتصريحات والكتابات المبالغ فيها للأشخاص ذوي المصالح ولا سيما الصهاينة”[296] و
  • “إن التهور والعدوان الصهيوني منذ وعد بلفور يزيد من حدة هذه المخاوف”.[296]

ازدادت معارضة الرأي العام والحكومة البريطانية للدعم الحكومي للصهيونية حتى أن سايكس بدأ في تغيير آرائه في أواخر عام 1918.[مط] في فبراير 1922 أرسل تشرشل برقية إلى صموئيل الذي كان قد بدأ مهامه كمفوض سامٍ لفلسطين قبل 18 شهرًا يطلب فيها تخفيضات في النفقات ويشير إلى ما يلي:

في كلا مجلسي البرلمان هناك حركة عداء متنامية ضد السياسة الصهيونية في فلسطين والتي ستتحفز بسبب مقالات حديثة لـنورثكليف الذي كان يملك صحيفة “ذا تايمز” و”ديلي ميل” وغيرها من المنشورات التي بلغ مجموعها حوالي خُمسَي إجمالي توزيع الصحف البريطانية نشر بيانًا من القاهرة في 15 فبراير 1922 (ص 10) يشير إلى أن فلسطين معرضة لخطر أن تصبح أيرلندا ثانية. ونُشرت مقالات أخرى في صحيفة “ذا تايمز” في 11 أبريل (صفحة 5) و26 أبريل (صفحة 15) و23 يونيو (صفحة 17) و3 يوليو (صفحة 15) و25 يوليو (صفحة 15).

[298]}}لا أولي أهمية مفرطة لهذه الحركة ولكن من الصعب بصفة متزايدة دحض الحجة القائلة بأنه من غير العدل مطالبة دافع الضرائب البريطاني المثقل أصلاً بالضرائب بتحمل تكلفة فرض سياسة غير شعبية على فلسطين. [299]

عقب إصدار الكتاب الأبيض لتشرشل في يونيو 1922 رفض مجلس اللوردات انتداب فلسطين الذي تضمن وعد بلفور بأغلبية 60 صوتًا مقابل 25 بناءً على اقتراح قدمه اللورد إزلنغتون.[300] وقد تبين أن التصويت كان رمزيًا فقط إذ نقضه لاحقًا بتصويت في مجلس العموم بعد تحول تكتيكي ومجموعة من الوعود التي قطعها تشرشل.[300][ن]

في فبراير 1923 عقب تغيير الحكومة وضع كافنديش في مذكرة مطولة لمجلس الوزراء الأساس لمراجعة سرية لسياسة فلسطين:

من العبث التظاهر بأن السياسة الصهيونية ليست إلا سياسة غير شعبية. فقد تعرضت لهجوم شرس في البرلمان ولا تزال تُهاجم بشراسة في بعض وسائل الإعلام. وتتلخص أسباب الهجوم الظاهرية في ثلاثة أمور: (1) الانتهاك المزعوم لتعهدات ماكماهون (2) ظلم فرض سياسة على بلد يعارضها غالبية سكانه (3) العبء المالي على دافع الضرائب البريطاني…[303]

طالب في مذكرته المرفقة بإصدار بيان سياسي في أسرع وقت ممكن وأن يركز مجلس الوزراء على ثلاثة أسئلة: (1) ما إذا كانت التعهدات المقدمة للعرب تتعارض مع وعد بلفور أم لا (2) إذا لم يكن الأمر كذلك فهل ينبغي للحكومة الجديدة الاستمرار في السياسة التي وضعتها الحكومة السابقة في الكتاب الأبيض لعام 1922 (3) إذا لم يكن الأمر كذلك فما هي السياسة البديلة التي ينبغي اعتمادها.[143]

قام ستانلي بالدوين الذي حل محل بونار لو كرئيس للوزراء في يونيو 1923 بتشكيل لجنة فرعية وزارية كانت اختصاصاتها كالتالي:

إعادة النظر في سياسة فلسطين من جديد وتقديم المشورة لمجلس الوزراء بكامل أعضائه بشأن ما إذا كان ينبغي لبريطانيا البقاء في فلسطين، وما إذا كان ينبغي الاستمرار في السياسة المؤيدة للصهيونية في حال بقائها.[304]

وافق مجلس الوزراء على تقرير هذه اللجنة في 31 يوليو 1923. ووصفه كويجلي بأنه “أمرٌ لافتٌ للنظر” مشيرًا إلى أن الحكومة كانت تُقرّ لنفسها بأن دعمها للصهيونية كان مدفوعًا باعتبارات لا علاقة لها بمزايا الصهيونية أو عواقبها على فلسطين.[305] وكما أشار حنيدي “سواء كان ذلك حكيمًا أم لا يكاد يكون من المستحيل على أي حكومة أن تُفلت من هذا الموقف دون تضحية كبيرة بالاتساق واحترام الذات إن لم يكن بالشرف”.[306]

وهكذا أُدرجت صياغة الإعلان في الانتداب البريطاني على فلسطين وهو صك قانوني أنشأ فلسطين تحت الانتداب بهدف صريح هو تفعيل الإعلان وقاموا بإضفاء الطابع الرسمي عليه نهائيًا في سبتمبر 1923.[307][308] وعلى عكس الإعلان نفسه كان الانتداب ملزمًا قانونًا للحكومة البريطانية.[307] في يونيو 1924 قدّمت بريطانيا تقريرها إلى لجنة الانتدابات الدائمة للفترة من يوليو 1920 إلى نهاية عام 1923 والذي لم يتضمن أيًا من الصراحة التي انعكست في الوثائق الداخلية إذ بقيت الوثائق المتعلقة بإعادة التقييم لعام 1923 سرية حتى أوائل سبعينيات القرن العشرين.[309]

التأريخ والدوافع

عدلعدل المصدر

بقي لويد جورج وبلفور في الحكومة حتى انهيار الائتلاف في أكتوبر 1922.[310] في ظل حكومة المحافظين الجديدة بُذلت محاولات لتحديد خلفية ودوافع الإعلان.[311] صدرت مذكرة خاصة لمجلس الوزراء في يناير 1923 تُقدم ملخصًا لسجلات وزارة الخارجية ومجلس الحرب المعروفة آنذاك والتي سبقت الإعلان. وأكدت مذكرة مصاحبة من وزارة الخارجية أن المؤلفين الرئيسيين للإعلان هم بلفور وسايكس ووايزمان وسوكولوف مع “ربما اللورد روتشيلد كشخصية في الخلفية” وأن “المفاوضات تبدو أنها كانت شفهية في الغالب وعن طريق مذكرات خاصة والتي لا تتوفر عنها سوى سجلات ضئيلة للغاية”.[311][312]

في أعقاب الإضراب العام عام 1936 الذي تحول إلى الثورة العربية في فلسطين بين عامي 1936 و1939 والتي كانت أكبر موجة عنف منذ بدء الانتداب البريطاني شكلت لجنة ملكية بريطانية شكلت لجنة تحقيق عامة رفيعة المستوى للتحقيق في أسباب الاضطرابات.[313] وقد أنجزت اللجنة الملكية الفلسطينية التي عُيّنت بصلاحيات أوسع بكثير من التحقيقات البريطانية السابقة في فلسطين[313] تقريرها المكون من 404 صفحات بعد ستة أسابيع. استغرق إعداد التقرير شهورًا من العمل حتى يونيو 1937 ونُشر بعد شهر.[313] بدأ التقرير بوصف تاريخ المشكلة بما في ذلك ملخص مفصل لأصول وعد بلفور. اعتمد جزء كبير من هذا الملخص على شهادة لويد جورج الشخصية[314] توفي بلفور عام 1930 وسايكس عام 1919.[315] أخبر اللجنة أن الوعد صدر “لأسباب دعائية”…. وعلى وجه الخصوص فإن التعاطف اليهودي من شأنه أن يؤكد دعم يهود أمريكا ويجعل من الصعب على ألمانيا تقليص التزاماتها العسكرية وتحسين وضعها الاقتصادي على الجبهة الشرقية.[نا] بعد ذلك بعامين في مذكراته عن مؤتمر السلام[نب] وصف لويد جورج تسعة عوامل دفعته بصفته رئيسًا للوزراء إلى إصدار الإعلان[146] بما في ذلك الأسباب الإضافية المتمثلة في أن الوجود اليهودي في فلسطين من شأنه أن يعزز موقف بريطانيا بشأن قناة السويس ويدعم الطريق إلى سيطرتها الإمبراطورية في الهند.[146]

نُوقشت هذه الحسابات الجيوسياسية على نطاق واسع في السنوات اللاحقة.[146] يتفق المؤرخون على أن البريطانيين اعتقدوا أن إبداء الدعم سيحظى بتأييد اليهود في ألمانيا والولايات المتحدة نظرًا لأن اثنين من أقرب مستشاري وودرو ويلسون كانا معروفين بحماسهما للصهيونية[نج][ند][320] كما كانوا يأملون في حشد الدعم من الجالية اليهودية الكبيرة في روسيا.[321] إضافةً إلى ذلك كان البريطانيون يعتزمون استباق الضغط الفرنسي المتوقع لإنشاء إدارة دولية في فلسطين.[نه]

يرى بعض المؤرخين أن قرار الحكومة البريطانية عكس ما يسميه جيمس جيلفين أستاذ تاريخ الشرق الأوسط في جامعة كاليفورنيا بلوس أنجلوس “معاداة السامية الأرستقراطية” في المبالغة في تقدير النفوذ اليهودي في كل من الولايات المتحدة وروسيا.[146] كانت الصهيونية الأمريكية لا تزال في مهدها ففي عام 1914 كان لدى الاتحاد الصهيوني ميزانية صغيرة تبلغ حوالي 5000 دولار أمريكي و12000 عضو فقط مع أن عدد اليهود الأمريكيين بلغ ثلاثة ملايين نسمة[نو] لكن المنظمات الصهيونية نجحت مؤخرًا بعد استعراض للقوة داخل المجتمع اليهودي الأمريكي في تنظيم مؤتمر يهودي لمناقشة المسألة اليهودية ككل.[نز] وقد أثر ذلك على تقديرات الحكومتين البريطانية والفرنسية لميزان القوى داخل المجتمع اليهودي الأمريكي.[نح]

يؤكد آفي شلايم الأستاذ الفخري للعلاقات الدولية بجامعة أكسفورد أن مدرستين فكريتين رئيسيتين قد ظهرتا حول مسألة القوة الدافعة الأساسية وراء إعلان الاستقلال[82] إحداهما قدمها ليونارد شتاين عام 1961[326] وهو محامٍ وسكرتير سياسي سابق للمنظمة الصهيونية العالمية والأخرى قدمها ماير فيريتي عام 1970 وكان آنذاك أستاذاً لتاريخ إسرائيل في الجامعة العبرية بالقدس.[327] ويذكر شلايم أن شتاين لم يتوصل إلى أي استنتاجات قاطعة لكن ما يُفهم ضمناً من روايته هو أن إعلان الاستقلال نتج في المقام الأول عن نشاط الصهاينة ومهارتهم بينما يرى فيريتي أنه كان عملاً لبراغماتيين متشددين تحركهم المصالح الإمبريالية البريطانية في الشرق الأوسط.[82] يركز جزء كبير من الدراسات الحديثة حول قرار إصدار الإعلان على الحركة الصهيونية والتنافسات داخلها[328] مع نقاش محوري حول ما إذا كان دور وايزمان حاسمًا أم أن البريطانيين كانوا سيصدرون إعلانًا مماثلًا على أي حال.[328] يقترح داني غوتوين أستاذ التاريخ اليهودي في جامعة حيفا تعديلًا على فكرة قديمة مؤكدًا أن نهج سايكس تجاه الصهاينة في فبراير 1917 كان اللحظة الحاسمة وأنه كان متسقًا مع سعي الحكومة لتحقيق أجندتها الأوسع لتقسيم الإمبراطورية العثمانية.[نط]

التأثير طويل الأمد

عدلعدل المصدر

وعد بلفورفي مثل هذا اليوم عام 1917
عدد من صحيفة فلسطين عام 1932 يتضمن رسماً كاريكاتورياً يندد بآثار وعد بلفور على فلسطين ويظهر الهجرة اليهودية وتشريد الفلاحين العرب.

كان للإعلان نتيجتان غير مباشرتين هما ظهور إسرائيل وحالة الصراع المزمن بين العرب واليهود في جميع أنحاء الشرق الأوسط.[329][330][331][332][333][334] وقد وُصف بأنه ” الخطيئة الأصلية ” فيما يتعلق بفشل بريطانيا في فلسطين[335] والأحداث الأوسع نطاقًا في فلسطين.[336] كما كان للبيان تأثير كبير على العداء التقليدي للصهيونية لدى اليهود المتدينين الذين اعتبره بعضهم عناية إلهية وقد ساهم ذلك في نمو الصهيونية الدينية وسط الحركة الصهيونية الأوسع.

بدأ الصراع بين الطوائف في فلسطين الانتدابية عام 1920 والذي اتسع نطاقه ليتحول إلى الصراع العربي الإسرائيلي الإقليمي الذي يُشار إليه غالبًا بأنه “أكثر الصراعات استعصاءً” في العالم.[337][338][339] وسرعان ما ثبت عدم جدوى “الالتزام المزدوج” تجاه الطائفتين[340] وخلص البريطانيون لاحقًا إلى أنه من المستحيل عليهم تهدئة الطائفتين في فلسطين باستخدام رسائل مختلفة لجمهورين مختلفين.[ص] وقد أشارت اللجنة الملكية الفلسطينية عند تقديمها أول اقتراح رسمي لتقسيم المنطقة إلى هذه المتطلبات باعتبارها “التزامات متناقضة”[342][343] وأن “الداء متجذر لدرجة أننا في قناعتنا الراسخة نرى أن الأمل الوحيد في الشفاء يكمن في عملية جراحية”.[344][345] في أعقاب الثورة العربية في فلسطين (1936-1939)، ومع تصاعد التوترات العالمية قبيل الحرب العالمية الثانية أقر البرلمان البريطاني الكتاب الأبيض لعام 1939 آخر بيان رسمي له بشأن سياسة الحكم في فلسطين الانتدابية معلنًا أن فلسطين لا ينبغي أن تصبح دولة يهودية وفرض قيودًا على الهجرة اليهودية.[346][347] وبينما اعتبر البريطانيون ذلك متسقًا مع وعد بلفور والتزامه بحماية حقوق غير اليهود رأى العديد من الصهاينة فيه نقضًا للوعد.[346][347][صا] ورغم أن هذه السياسة استمرت حتى تنازلت بريطانيا عن الانتداب عام 1948 إلا أنها لم تُسفر إلا عن إبراز الصعوبة الجوهرية التي واجهتها بريطانيا في الوفاء بالتزامات الانتداب.[350]

أصبح تورط بريطانيا في هذا الأمر أحد أكثر جوانب تاريخ إمبراطوريتها إثارةً للجدل وألحق ضرراً بالغاً بسمعتها في الشرق الأوسط لأجيال.[صب] ووفقاً للمؤرخة إليزابيث مونرو: “إذا قُيِّم الأمر من منظور المصالح البريطانية وحدها فإن [الإعلان] كان أحد أكبر الأخطاء في تاريخها الإمبراطوري”[351] الأمر الذي ألحق ضرراً كبيراً ببريطانيا.[352] ومع ذلك يرى آخرون أن هذا النهج يتجاهل ظهور النزعة القومية وتفكك الإمبراطوريات الكبرى في جميع أنحاء العالم وأن بريطانيا لم تكن لتتمكن على الأرجح من الحفاظ على وجودها في الشرق الأوسط على أي حال.[352]

لخصت دراسة أجراها جوناثان شنير المتخصص في التاريخ البريطاني الحديث في معهد جورجيا للتكنولوجيا عام 2010 إلى أن الفترة التي سبقت إعلان قيام دولة إسرائيل اتسمت بـ”التناقضات والخداع وسوء الفهم والتفكير التمني” مما أدى إلى زرع بذور الفتنة و”حصد ثمارًا كارثية وما زلنا نحصدها حتى اليوم”.[صج] لقد وُضع حجر الأساس لإسرائيل الحديثة لكن التوقع بأن هذا سيُمهد الطريق لتعاون عربي يهودي متناغم تبين أنه مجرد أمنية.[353][صد]

في الذكرى المئوية الثانية لتأسيسها نشرت صحيفة الغارديان البريطانية في معرض استعراضها لأخطائها الجسيمة في التقدير بيانًا يُشير إلى دعم رئيس تحريرها سي بي سكوت لإعلان بلفور. وذكرت الصحيفة أن إسرائيل لم تُصبح “الدولة التي توقعتها أو كانت ترغب بها”. وندد مجلس نواب اليهود البريطانيين عبر رئيسته ماري فان دير زيل بالمقال ووصفه بأنه “متهور بطريقة مُثيرة للدهشة” مُعلنًا أن الغارديان “تبذل قصارى جهدها لتقويض شرعية الدولة اليهودية الوحيدة في العالم”.

الوثيقة

عدلعدل المصدر

قُدِّمَت الوثيقة إلى المتحف البريطاني عام 1924 من قِبَل والتر روتشيلد وهي محفوظة اليوم في المكتبة البريطانية التي انفصلت عن المتحف البريطاني عام 1973 تحت رقم المخطوطات الإضافية 41178.[355] وفي الفترة من أكتوبر 1987 إلى مايو 1988 أُعِيَت خارج المملكة المتحدة لعرضها في الكنيست الإسرائيلي.[356]

وعد بلفورفي مثل هذا اليوم عام 1917
مكتب اللورد بلفور في متحف الشتات اليهودي في تل أبيب

التأثير طويل الأمد

عدلعدل المصدر

ردّاً على وعد بلفور قامت عدّة ثورات أبرزها الثورة الفلسطينية الكبرى عام 1935م على يد الشيخ عزّ الدين القسّام فأرسل الإنتداب البريطاني لجنة بيل 1937م التي أعلنت تقسيم فلسطين بين العرب واليهود.

مقالات ذات صلة