المقالات والسياسه والادب

يسألونني: مَن هو؟

الكاتبة إيمان نجار

يسألونني: مَن هو؟
‏أصمت…
‏فبعضُ الأسماء لا تُقال… لأن اللسان حين يقترب منها، ينزف قبل أن ينطق.
‏كيف أشرح لهم أن الإنسان قد يغيب مرةً واحدة، بينما الذين أحبّوه يموتون بغيابه كلَّ يومٍ بطريقةٍ مختلفة؟
‏مَن هو؟
‏هو الرجل الذي خرج من حياتي بهدوءٍ يُشبه اعتذارًا لم يقله… ثم ترك خلفه صمتًا اتّسع حتى صار وطنًا كاملًا لوحدتي.
‏كان يظن أن الغياب بابٌ يُغلق…
‏ولم يعلم أن الغياب مخلوقٌ يتكاثر في الداخل، يلتهم الأيام ببطء، حتى يصبح العمر كلّه مجرّد حاشيةٍ ليوم الرحيل.
‏يسألونني عنه…
‏ولا يعلمون أنني منذ غادر، لم أعد أخاف الليل… بل أخاف الأشياء التي كانت عاديّة قبله؛ أغنية، شارع، رائحة قهوة، أو كلمةٌ تشبه صوته… لأن الذاكرة لا تحتاج إلى موعد، بل إلى صدفةٍ واحدة لتُعيد خرابها كاملًا.
‏ترك كلَّ شيءٍ كما هو…
‏الكرسيُّ ما زال في مكانه، كأنّه يرفض الاعتراف بأن أحدًا لن يجلس عليه بعد اليوم.
‏فنجان القهوة ما زال يتقن الانتظار… يبرد قليلًا، ثم يبرد أكثر، حتى بدا كأنّه تعلّم كيف يشيخ وحيدًا.
‏قلمه…
‏ما زال مستلقيًا فوق الطاولة، لكنّه منذ رحيله لم يكتب إلّا الفراغ.
‏ودفتره بقي مفتوحًا على صفحةٍ لم تكتمل…
‏كلّما اقتربتُ منها، شعرتُ أنّ البياض ليس مساحةً للكلمات… بل كفنٌ صغيرٌ لجملةٍ ماتت قبل أن تُولد.
‏حتى الأشياء الصغيرة خانتني بعده…
‏الفنجان لم يعد يعرف طعم القهوة، والكرسي صار يتكئ على الصمت، والدفتر تعلّم كيف يُغلق نفسه كلّما اقتربتُ منه، كأنّه يعرف أن لا أحد سيعود ليكتب النهاية.
‏منذ رحيله…
‏البيت الذي كان يتّسع لنبضين، صار يضيق بنفسٍ واحدة.
‏والجدران التي كانت تحفظ الضحكات، صارت تُعيد إليّ الصدى كأنّه عزاءٌ متأخر.
‏فكلُّ شيءٍ تركه خلفه، كان ينتظر عودته أكثر ممّا كنتُ أنتظرها أنا.
‏لأنني منذ رحيله
‏لم أعد أبحث عنه.
‏بل أبحث عنّي…
‏عن تلك المرأة التي خرجت لتودّعه ذات يوم…
‏ولم تعد.

مقالات ذات صلة