مأوى الأوهام ومرتع النفاق يرقصان على إيقاع الفضيحة
بقلم / محمد جابر كاتب صحفي
الفضيحةالممر الثالث عشر
الممر الثالث عشر ممر من نوع خاص معد خصيصا لملوك السوشيال ميديا لكن ما جذب انتباهي لم يكن ضوء الكاميرات ولا وجوه المؤثرين بل كانت تلك الجدران التي تكررت عليها نفس العبارة بلا توقف دون أن يلتفت إليها أحد
اكتب لكن لا تكن مثلهم لا تكره قلمك وهو يرقص عاريا وسط زحام السخرية والضوضاء فالكلمة الصادقة لا تحتاج إلى فلتر ولا إلى بث مباشر ولا تهرع خلف كبسة إعجاب هي تنتظر فقط قارئا يحترم عقله وضميره لم ينطفئ فيه نور الحقيقة ومجتمعا يخشى الله في سره وعلنه
امتزجت في ذهني صورة الضجيج والحكمة فلا أحد اليوم يسأل الإنسان عما يقدم من مضمون بل كم من فيو حصد وكم كبسة جنى في هذا الممر الرقمي لا تقاس القيمة بما تقول بل بما تخلع لا بما تفكر بل بما تستعرض وكلما ازداد فضيحك ارتفعت نسب المشاهدة وتلاشت دموع المشاهدين ليتوج صاحب الفضيحة بلقب مؤثر
كل شيء هنا محكوم بالبث المباشر الأمومة المرض الفقر والخصوصية كلها سلع موسمية تستهلك مرة ثم ترمى تيك توك أصبح السوق الأكبر والكبس عملته الرسمية والفجور صار لغة معترفا بها ينطق بها بوجه مشرق وفلتر يجمل القبح ويخفي السقوط الأخلاقي
لم يعد الناس يخجلون من كشف أجسادهم بل صار الخجل من ضعف التفاعل لم يعد الابتذال مرفوضا بل قلة المشاهدات هي المرفوضة أما المعنى فقد اختفى في زوايا مشوشة لا يراها أحد
وها هي أم إبراهيم تبث من فوق علبة صفيح بصوت يختلط فيه الحنين بالمكر والعوز بالمبالغة كلماتها تغرق في صراخها ثم تمسك سبحتها وتطلب الدعم باسم العوز والستر
في هذا الممر أصبح الترند وثنا يعبد وتسكب أمامه دموع كاذبة وصراخ مصطنع والويل لمن لم يلتحق بالركب فهو مهدد بالنسيان جلست أراقب بائعة محتوى تبكي ثم تضحك تلعن ثم تستعطف تطلب الكبس ليصبح البث لوحة سريالية تمزج بين مأساة مفتعلة وإعلانات ممولة
رأيت رجلين يجلسان على مقعد خشبي يناقشان ما يشبه الفلسفة قال أحدهما لا مفر من التأقلم فرد الآخر وهل الرقص في مستنقع العهر تقدم…. أحيانا يكون الوقوف أسمى أشكال النجاة…..في ممر الكأن …
مررت ببائع متجول يعرض لوحة صغيرة مكتوب عليها ..انظر ما تبقى…. سألته ماذا تبقى ….أجاب بعض الصدق وقليل من الحياء لكن لا أحد يشتريهما
وفي نهاية الممر أقيمت حفلة صاخبة بلا مناسبة يرقص فيها المؤثرون على أنغام التفاهة وجوه بارعة في التمثيل جاهلة في التعبير هتافات عالية وعقول منخفضة اختلط فيها الخاص بالعام والجسد بالفكرة والفن بالإباحية حتى صار معيار النجاح الوحيد كم مرة ضغطوا على زر الكبس
وسط هذا المشهد الباهت لا تزال الكلمات النقية تبحث عن ممر لا يشتهر بالمجون ولا يصفق للابتذال وممر لا يقيس الإنسان بما يعرض بل بما يحمل من ضمير وممر يؤمن أن بعض الحياء زينة وأن الصدق رغم غربته لا يموت
فلا تتبع موكب الراقصين على الحافة دع قلمك واقفا ولو في العتمة دع صوتك هادئا ولو غطاه صخب الزيف فالتاريخ لا يخلد الترند بل يكتب فقط عن أولئك الذين قالوا لا حين ساد الزيف وقالوا الحق حين صمت الجميع
وحين بلغت نهاية الممر فوجئت بصديقي المقرب واقفا في انتظاري كأنه يتحين اللحظة ليفرغ ما في صدره وما إن اقترب مني وقبل أن ألقي عليه تحية المساء باغتني بنبرة لا تخلو من ازدراء قائلا هيا نترك هذا الممر …ولنذهب الي الممر الرابع عشر