التسول الإلكتروني وإفساد القيم: دعوة لتصحيح المسار القانوني والمجتمعي

التسول الإلكتروني وإفساد القيم: دعوة لتصحيح المسار القانوني والمجتمعي
بقلم: أحمد الشبيتي
شهدت مصر في الفترة الأخيرة انتفاضة شعبية ضد المحتوى الهابط في الدراما والإعلام، حيث تصاعد الوعي المجتمعي بخطورة الإسفاف والبلطجة والسرسجة الدرامية على القيم والتقاليد المصرية الأصيلة واليوم، أصبح من الضروري توجيه هذا الوعي نحو شكل آخر من الانحدار الأخلاقي، وهو التسول الإلكتروني واستغلال المحتوى الفارغ لكسب المال على حساب القيم والمبادئ، إلى جانب ما تبثه بعض القنوات الفضائية من سفاهة وبرامج ومسلسلات تهدم الأخلاق وتدمر الوعي.
ما هو التسول الإلكتروني؟
التسول الإلكتروني هو ظاهرة حديثة انتشرت عبر منصات التواصل الاجتماعي، حيث يعتمد بعض الأفراد على استدرار عطف الجمهور من خلال بث مباشر أو مقاطع فيديو تفتقر إلى أي قيمة حقيقية، متعمدين إثارة مشاعر الشفقة أو الفضول لتحقيق مكاسب مادية عبر التبرعات أو المشاهدات والإعلانات.
الإعلام بين التوعية والإفساد
لم تقتصر أزمة المحتوى الهابط على الإنترنت فقط، بل امتدت إلى بعض القنوات الفضائية التي تبث برامج ومسلسلات وأفلامًا تكرّس العنف، وتنشر ثقافة الانحلال، وتحطّ من قيمة الفكر والثقافة. أصبحنا نشاهد على شاشات التلفزيون محتوى يروّج للبلطجة، ويستخفّ بعقول المشاهدين، ويفسد أخلاق الأجيال الجديدة، بدلاً من تقديم أعمال فنية ترتقي بالذوق العام وتساهم في بناء وعي المجتمع.
التكييف القانوني لهذه الظواهر
يُعد التسول الإلكتروني أحد أشكال الجرائم الإلكترونية التي يمكن تصنيفها ضمن الجرائم المخلة بالآداب العامة أو الاحتيال الإلكتروني، خاصة عندما يتم استغلال مشاعر الجمهور لتحقيق أرباح بطرق غير مشروعة. أما المحتوى الهابط في الإعلام، فهو يخضع لقوانين الرقابة الإعلامية والمصنفات الفنية التي تفرض ضوابط على الأعمال المعروضة، لكن التطبيق الفعلي لهذه القوانين ما زال بحاجة إلى تشديد وتنفيذ صارم. ومن أبرز القوانين التي يمكن الاستناد إليها:
1. قانون مكافحة الجرائم الإلكترونية رقم 175 لسنة 2018، حيث يجرّم استخدام الإنترنت في خداع الآخرين أو الاحتيال عليهم بأي وسيلة.
2. قانون العقوبات المصري، الذي يعاقب على الاحتيال والاستغلال غير المشروع لموارد الآخرين.
3. قانون تنظيم الصحافة والإعلام رقم 180 لسنة 2018، والذي يفرض قيودًا على المحتوى الإعلامي الهابط، لكن هناك حاجة لتفعيله بحزم أكبر.
الحلول المقترحة لمواجهة هذه الظواهر
1. حملة توعية مجتمعية: يجب على الإعلام والمؤسسات المجتمعية نشر الوعي بخطورة التسول الإلكتروني والمحتوى الهابط، وفضح الأساليب الاحتيالية التي يستخدمها البعض لاستغلال مشاعر الناس.
2. تفعيل الدور الرقابي: يجب على الجهات المعنية مراقبة المحتوى المنشور على منصات التواصل الاجتماعي، واتخاذ إجراءات قانونية صارمة ضد المخالفين، وكذلك تشديد الرقابة على القنوات الفضائية التي تروّج للإسفاف.
3. الإبلاغ عن المحتوى الهابط: يمكن للمستخدمين الإبلاغ عن أي محتوى مسيء أو يندرج تحت مظلة التسول الإلكتروني أو الإسفاف الإعلامي، للمساهمة في تقليل انتشاره وإغلاق القنوات التي تروّج له.
4. تشديد العقوبات القانونية: يجب تعديل القوانين الحالية أو سنّ قوانين جديدة تجرّم التسول الإلكتروني والمحتوى الإعلامي الفاسد بشكل صريح، وتفرض عقوبات رادعة على من يثبت تورطهم فيه.
5. تشجيع الإعلام الهادف: دعم الإنتاج الإعلامي الذي يعزز القيم الإيجابية، ويقدم محتوى ثقافيًا وفنيًا هادفًا، يحترم عقل المشاهد ويساهم في بناء المجتمع.
دعوة للتضامن المجتمعي
كما نجحت مصر في التصدي للمحتوى الهابط في الإعلام، فإن الوقت قد حان للتحرك ضد التسول الإلكتروني وكل أشكال الهدم القيمي والأخلاقي، سواء في الفضاء الرقمي أو الإعلامي. إن حماية المجتمع من هذه الظواهر مسؤولية مشتركة بين الدولة والمواطنين، ولا بد من اتخاذ خطوات عملية لتصحيح المسار وحماية الأجيال القادمة من التأثيرات السلبية لهذه الظواهر الدخيلة.
إن الوعي، والمساءلة، والتكاتف المجتمعي، هي مفاتيح التغيير الحقيقي.



