المقالات والسياسه والادب

ليس كل كسر تدمير… بل تنظيف.. بقلم: مستشار محمود السنكري

ليس كل كسر تدمير… بل تنظيف

بقلم: مستشار محمود السنكري

في حياة الإنسان لحظات يظن فيها أن كل شيء قد انكسر دفعةً واحدة. 

لحظات يشعر فيها أن الأرض التي كان يقف عليها بثقة قد تهاوت فجأة تحت قدميه وأن الوجوه التي كانت تبدو مألوفة ومطمئنة قد تحولت إلى أقنعة باردة لا يعرفها.

أشدّ ما يوجع الإنسان ليس طعنات الأعداء فالأعداء متوقَّعون بطبيعتهم لكن الوجع الحقيقي هو ذلك الذي يأتي من حيث وضع المرء ثقته ومن حيث أودع قلبه شيئًا من الأمان. هناك تحديدًا حيث كان يظن أن الظهر محميّ تأتي الطعنة.

وعندما تحدث تلك الصدمة يظن البعض أن الإنسان قد انكسر وأنه انتهى.

لكن الحقيقة أعمق من ذلك بكثير.

فليس كل كسرٍ تدميرًا بل أحيانًا يكون تنظيفًا.

إن الله حين يكشف للإنسان حقيقة بعض الوجوه لا يفعل ذلك عبثًا ولا يتركه وسط الألم بلا حكمة. فكم من إنسان عاش سنوات طويلة وسط دوائر ظنها صادقة حتى إذا جاءت لحظة الحقيقة اكتشف أنه كان محاطًا بأشخاص لا يشبهونه ولا يتمنّون له الخير الذي يتمنّاه لهم.

وهنا تتجلى الحكمة الإلهية في أبسط معانيها:

أن تنكشف الأقنعة قبل أن يضيع العمر كله في الوهم.

إن الطعنة التي ظنّها البعض نهاية قد تكون في الحقيقة بداية مختلفة تمامًا. فالله لا يكسِر عبده ليهلكه بل قد يكسِره ليعيد تشكيله على هيئةٍ أصلب وأنقى وأصدق.

هناك لحظات يبدو فيها الألم قاسيًا لكن الزمن يكشف لاحقًا أن ذلك الألم كان أشبه بعملية جراحية دقيقة تُزال فيها الشوائب التي علقت بالروح ويُطهر القلب من ضجيج العلاقات الزائفة.

فالإنسان حين يُطعن من أقرب الناس يتعلم درسًا عميقًا في فهم الحياة:

أن النقاء لا يُقاس بكثرة من حولك بل بصدق من يبقون معك.

ولهذا فإن بعض الخسارات ليست خسارة على الإطلاق بل هي تصحيح مسار. وبعض الانكسارات ليست هزيمة بل إعادة ترتيب من الله لأماكن الأشخاص في حياتك.

قد يظن الذين طعنوا أنك سقطت..

وقد يتوهمون أنهم نجحوا في كسر ظهرك.

لكنهم لا يعلمون أن الله في اللحظة نفسها التي ظنوا فيها أنهم هزموك كان يرفع عنك غمامة كثيفة ويُنقِّي طريقك من ضوضاء لم تكن تراها.

إنهم يظنون أنهم أطفأوا النور بينما الحقيقة أنهم فقط أزاحوا الغبار عن المصباح.

فحين ينكشف الناس على حقيقتهم لا يكون ذلك خسارة للإنسان بقدر ما هو مكسب عميق للوعي. فالقلب الذي يمر بتجربة الخذلان لا يعود ساذجًا لكنه أيضًا لا يفقد قدرته على النقاء.

بل يصبح أكثر حكمة وأكثر انتقاءً لمن يمنحهم ثقته.

وهنا فقط يدرك الإنسان معنى تلك الحقيقة الهادئة:

أن الله لم يبعد بعض الناس عنك عقابًا لك بل حمايةً لك.

فليس كل من خرج من حياتك كان خسارة

وليس كل من ظننته سندًا كان أهلًا للبقاء.

بعض الناس يخرجون من حياتك لأن مكانهم الحقيقي لم يكن فيها من البداية.

وبعض العلاقات تنتهي لأن الله يريد أن يفتح لك أبوابًا أوسع مع قلوبٍ أنقى ورفقةٍ أصدق.

إنها لحظة ترميم لا لحظة هدم.

فالإنسان قد يُكسر ظاهريًا لكنه في الداخل يُعاد بناؤه من جديد بوعيٍ أكبر وبقلبٍ يعرف الآن جيدًا أين يضع ثقته وأين يكتفي بالمسافة.

ولذلك حين تنكشف الوجوه لا تحزن كثيرًا.

فربما لم تكن تلك لحظة سقوطك..

بل كانت اللحظة التي بدأ الله فيها تنظيف حياتك

ليضعك في مكانٍ يليق بك

وبين قلوبٍ تشبه نقاءك…

مقالات ذات صلة