المقالات والسياسه والادب

خيراً تعمل شراً تلقى حين يصبح الجحود ضريبة العطاء الصادق

​بقلم: د.ذكاء رشيد
​في عالمٍ مثالي، يُفترض أن يُقابل الإحسان بالإحسان، وأن تكون الكلمة الطيبة هي الرد الطبيعي على النصح والمحبة. لكن الواقع المرير أثبت في كثير من الأحيان صحة المثل الشعبي القائل: “خيراً تعمل، شراً تلقى”، حيث يجد الكثيرون أنفسهم أمام حائط مسدود من نكران الجميل، بعد سنوات من البذل والتضحية.
​عطاء بلا مقابل.. وجفاء غير متوقع
​تبدأ القصة دائماً بقلبٍ معطاء، يرى في مساعدة الآخرين وحمايتهم واجباً أخلاقياً وإنسانياً. هؤلاء الأشخاص هم “المنقذون” في دوائرهم الاجتماعية؛ يقدمون النصيحة الصادقة، ويبذلون الجهد لتجنيب من يحبون الوقوع في الخطأ، دون انتظار شكر أو ثناء.
​لكن الصدمة تقع حين ينقلب المشهد؛ فبدلاً من التقدير، يواجه هؤلاء بردود أفعال باردة، أو بتنكر تام لكل ما قُدم. والأدهى من ذلك، أن يتحول هذا القريب أو الصديق إلى شخص “غريب”، يستخدم كلمات قاسية وجافة، وكأن يد الإحسان التي امتدت إليه كانت عبئاً يريد التخلص منه.
​لماذا ينكر البعض الجميل؟
​يرى علماء النفس أن “الجحود” ليس دائماً دليلاً على سوء الخلق فحسب، بل قد يكون آلية دفاعية نفسية. فبعض الأشخاص يشعرون بـ “ثقل الدَّين” المعنوي تجاه من ساعدهم، وبدلاً من الاعتراف بالفضل، يميلون إلى الهجوم أو التجاهل للتحرر من شعور العجز أو النقص الذي ولّده لديهم هذا العطاء.
​كما أن النصيحة، مهما كانت صادقة، قد يفسرها البعض على أنها وصاية أو تدخلاً في شؤونهم الخاصة، فيتحول الامتنان المفترض إلى عداء خفي يظهر في أول فرصة سانحة.
​الاحتراق النفسي لـ أهل الخير
​إن أخطر ما في هذه الظاهرة ليس نكران الجميل بحد ذاته، بل الأثر النفسي الذي يتركه في نفوس المعطائين. فشعور المرء بأنه أصبح “غريباً” عمن أفنى وقته في خدمتهم يولد لديه حالة من الانكفاء، وقد يدفعه إلى التوقف عن ممارسة فضيلة العطاء مستقبلاً، خوفاً من تلقي صدمة جديدة.
​كيف نحمي أنفسنا؟
​يؤكد خبراء الاجتماع أن العطاء يجب أن يظل قيمة نابعة من مبدأ داخلي، لا رهينة لردود أفعال الآخرين. إن فن المسافات هو الحل؛ فتقديم النصح والمساعدة يجب أن يقترن بترك مساحة كافية للآخرين، حتى لا يشعروا بالاختناق من الاهتمام الزائد.
​ختاماً..

سيبقى الجحود أحد اختبارات الصبر الكبرى في العلاقات البشرية. ورغم مرارة التنكر، يبقى العطاء سمة الأرواح النبيلة التي لا تنتظر من الناس جزاءً ولا شكوراً، بل تكتفي بسلامها الداخلي وبأنها فعلت الصواب في زمنٍ عزَّ فيه الوفاء.

مقالات ذات صلة