جَفَّ حِبْرُ الحِكَايَاتِ… بقلم الكاتبة إيمان نجار

جَفَّ حِبْرُ الحِكَايَاتِ…
بقلم الكاتبة إيمان نجار
لَا لِأَنَّ الكَلِمَاتِ فَقِيرَةٌ،
بَلْ لِأَنَّ الوَجَعَ صَارَ أَعْمَقَ مِنْ أَنْ يُرْوَى.
صَارَ الحُزْنُ يُتْقِنُ الِاخْتِبَاءَ فِي التَّفَاصِيلِ،
فِي ارْتِجَافَةِ يَدٍ حِينَ تُلَامِسُ الفَرَاغَ،
فِي تَنْهِيدَةٍ تُولَدُ مَكْسُورَةً قَبْلَ أَنْ تَخْرُجَ،
وَفِي عَيْنٍ تَعَلَّمَتْ أَنْ تُطْفِئَ بَرِيقَهَا بِنَفْسِهَا.
لَمْ نَعُدْ نَكْتُبْ…
نَحْنُ نَنْزِفُ بِصَمْتٍ،
نُرَتِّبُ وَجَعَنَا كَأَنَّهُ طَقْسٌ يَوْمِيٌّ،
نُخْفِيهِ تَحْتَ ضَحْكَةٍ مُتْعَبَةٍ،
وَنُمَرِّرُهُ لِلْوَقْتِ كَأَنَّهُ شَيْءٌ عَابِرٌ،
وَهُوَ فِي الحَقِيقَةِ… كُلُّ مَا فِينَا.
الحِكَايَاتُ لَمْ تَنْتَهِ،
لَكِنَّهَا فَقَدَتْ صَوْتَهَا،
صَارَتْ تُقَالُ فِي الدَّاخِلِ فَقَطْ،
حَيْثُ لَا شُهُودَ،
وَلَا خَلَاصَ.
وَحْدَهَا القُلُوبُ تَعْرِفُ
أَنَّ بَعْضَ الأَلَمِ
حِينَ يَبْلُغُ ذِرْوَتَهُ…
لَا يُكْتَبُ،
بَلْ يُعَاشُ كَعَتْمَةٍ كَامِلَةٍ،
تَأْكُلُ صَاحِبَهَا بِبُطْءٍ،
دُونَ أَنْ تَتْرُكَ أَثَرًا يُرْوَى.
وَمَا عُدْنَا نَبْحَثُ عَنْ نَجَاةٍ،
بَلْ عَنْ طَرِيقَةٍ أَقَلَّ قَسْوَةً لِلْغَرَقِ،
نُفَاوِضُ اللَّيْلَ عَلَى فُتَاتِ نَوْمٍ،
وَيَخُونُنَا الفَجْرُ كُلَّ مَرَّةٍ بِنُورٍ لَا يُشْبِهُنَا.
الأَشْيَاءُ الَّتِي كَانَتْ تُنْقِذُنَا،
صَارَتْ تُثْقِلُنَا،
وَالوُجُوهُ الَّتِي احْتَمَيْنَا بِهَا،
تَحَوَّلَتْ إِلَى مَرَايَا
تُرِينَا كَمْ تَغَيَّرْنَا…
وَكَمْ خَسِرْنَا مِنَّا دُونَ أَنْ نَشْعُرَ.
نَحْمِلُ أَنْفُسَنَا كَعِبْءٍ،
كَذِكْرَى ثَقِيلَةٍ لَا يُمْكِنُ التَّخَلُّصُ مِنْهَا،
نَجُرُّ أَيَّامَنَا كَمَا تُجَرُّ سَلَاسِلُ صَدِئَةٌ،
تُصْدِرُ صَوْتًا خَافِتًا…
لَكِنَّهُ يَكْفِي لِيُذَكِّرَنَا
أَنَّنَا مَا زِلْنَا هُنَا،
رَغْمَ كُلِّ مَا كَانَ يَجِبُ أَنْ يُنْهِينَا.
وَفِي أَعْمَقِ نُقْطَةٍ فِينَا،
حَيْثُ لَا يَصِلُ صَوْتٌ وَلَا ضَوْءٌ،
نُدْرِكُ الحَقِيقَةَ الَّتِي نَخَافُهَا:
أَنَّنَا لَمْ نُشْفَ يَوْمًا…
نَحْنُ فَقَطْ
تَعَلَّمْنَا كَيْفَ نُخْفِي نَزِيفَنَا
كَيْ لَا يُزْعِجَ أَحَدًا.



