المقالات والسياسه والادب

كارثة لغوية

نور شاكر

كارثة لغوية

قصة قصيرة

في ممر كلية الهندسة بجامعة العلوم والتكنولوجيا، المزدحم بالطلاب والحركة، كان الأستاذ جهاد أستاذ اللغة العربية المحاضر بالجامعة، يسير بوقار حاملاً بعض الدفاتر في المقابل، كان شريف، المعيد الشاب الذي تخرج حديثاً وبدأ في تحضير رسالة الماجستير في إدارة المشاريع، يقف مع مجموعة من زملائه بجانب لوحة الإعلانات الكبرى، والزهو يملأ ملامحه وهو يشير إلى ملصق إعلاني ضخم لمؤتمر علمي قام بتنظيمه والإشراف عليه

استوقف شريف الأستاذ جهاد بابتسامة واثقة ونبرة متعالية قليلاً، قائلاً:

_أهلاً أستاذ جهاد! يسعدني أن ترفع عينيك لترى تصميم مؤتمرنا السنوي الجديد بالمناسبة، اختلفنا في قسم الهندسة حول كلمة ‘مسؤولية’ المكتوبة في العنوان الرئيسي، هل نكتبها على نبرة أم على واو؟ لقد كتبناها في النهاية كيفما اتفق على التصميم المطبوع.. فالمهم أن الفكرة والرسالة واضحة للجميع، أليس كذلك؟

توقف الأستاذ جهاد، ونظر إلى الملصق الضخم وتنهد بأسف، ثم قال بهدوء:

— تُكتب على الواو طبقاً للقاعدة الشائعة يا زميلي الشاب لكن الكارثة ليست في الاختلاف، بل في قولك ‘كيفما اتفق’ نحن في حرم جامعي صرحه العلم، والكلمة هنا أمانة وهوية

ضحك شريف بخفة أمام زملائه وقال بنبرة ملؤها الغرور الأكاديمي:

— يا أستاذ جهاد، نحن في عصر التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي! أنا مهندس، تخرجت بامتياز وأحضر الماجستير، وأتعامل مع معادلات لوغاريتمية معقدة ومشاريع ضخمة طلابنا وعملاؤنا يهمهم الأرقام والنتائج والابتكار، وليس إن كنا قد وضعنا تنويناً، أو نقطتين فوق التاء المربوطة، أو فاصلة منقوطة! هذه قشور شكلية لا تقدم ولا تؤخر في التقييم العلمي

لمعت عينا الأستاذ جهاد ببريق التحدي الحاسم التفت إلى شريف وبقية زملائه، وقال بصوت جهوري مسموع ترددت أصداؤه في ممر الكلية:

— قشور؟ إذن دعني أخبرك بأمر شهاداتك الأكاديمية التي تتباهى بها في هذا الحرم إن نيل الدرجات العلمية العليا دون إتقان لغة كتابتك هو كبناء مختبر حديث بأجهزة متطورة فوق أرض منهارة أنت متعلم وحامل شهادة، نعم.. لكنك لست مثقفاً بالقدر الكافي لترى أن الإملاء هو ثياب فكرك وعلمك أمام المجتمع الأكاديمي

احمر وجه شريف شعوراً بالإحراج أمام زملائه المعيدين، وقال محتجاً بنبرة حادة:

— هذا هجوم مبالغ فيه! هل سيفشل مشروع بحثي أو تُلغى براءة اختراع لأنني كتبت ‘أنتِ’ بالياء بدلاً من الكسرة في تقريري؟ أو لأنني لم أضع نقطة في نهاية السطر؟

أخرج الأستاذ جهاد قلماً أحمر من جيبه، واقترب من لوحة الإعلانات، وبخفة المعلم المتمكن، كتب على هامش ورقة بيضاء معلقة جملتين بخطه الأنيق، ثم أشار لشريف قائلاً:

— اقرأ هاتين الجملتين بصوت مرتفع أمام زملائك، وأخبرني بالفرق

نظر شريف إلى الورقة وقرأ متردداً:

 “عفونا عنه مستحيل، ينقل إلى السجن ويعدم.”

“عفونا عنه، مستحيل ينقل إلى السجن ويعدم.”

سكت شريف فجأة وتلعثم

 شعر ببرودة تجتاح جسده وهو يلاحظ كيف غيرت ‘الفاصلة’ الصغيرة مصير إنسان بين الحياة والموت في صياغة رسمية

تابع الأستاذ جهاد هجومه الفكري الوجيه دون أن يمنحه فرصة للتبرير:

— أرأيت؟ علامات الترقيم ليست زينة نضعها في الأبحاث لتبدو جميلة يا حضرة المهندس، بل هي علامات مرور تنظم حركة العقل والمنطق، أما خطاياك الإملائية التي تستهين بها، فهي تعكس استهتاراً بالمتلقي وبعلمك نفسه

 عندما تقدم لعمادة الجامعة تقريراً مليئاً بالأخطاء، تخلط فيه بين الضاد والظاء، وتهمل همزات القطع والوصل، فأنا واللجنة الأكاديمية لا نرى معدلك الإجمالي الممتاز.. بل نرى شخصاً كَسِلَ عن تهجي لغته الأم، فكيف نأتمنه على قيادة جيل وصياغة أبحاث علمية رصينة؟

حاول شريف تدارك الموقف وحفظ ماء وجهه قائلاً بصوت مرتعش:

— لكن.. المصحح التلقائي في الحواسيب يحل هذه المشكلات الآن!

ابتسم جهاد ابتسامة هادئة وحزينة، وقال:

— المصحح الآلي آلة بلا روح ولا وعي الكارثة اللغوية الحقيقية يا بني، ليست في طالب في السنة الأولى يخطئ وهو يتعلم، بل في كادر تدريسي، يحمل شهادات علمية تزن جبالاً، ويبخل على لغته بخمس دقائق من التركيز ليصون كرامة علمه وحرفه الإملاء ليس مادة مدرسية تمتحن فيها وتلقيها وراء ظهرك، الإملاء هو هويتك واحترامك لذاتك

عم الصمت ممر الكلية، وتوقفت همسات الطلاب المحيطين بهم نظر شريف إلى شاشة هاتفه التي تحتوي على مسودة بريد إلكتروني كان يهم بإرساله لعميد الكلية، وكان مليئاً بعبارات مثل ‘ارجو الموافقة’ بلا همزة، و’انشاء الله’ بدلاً من ‘إن شاء الله’

لأول مرة في حياته الأكاديمية، شعر المعيد الشاب بضآلة كبريائه أمام هيبة الحرف واللغة

تراجع خطوة إلى الوراء، ونظر إلى الأستاذ جهاد وقال بنبرة هادئة وخالية من التكبر:

— يبدو أنني بحاجة إلى إعادة مراجعة أبحاثي وتصحيح ‘القشور’.. يا أستاذي

ربت الأستاذ جهاد على كتفه بابتسامة دافئة ومشجعة، وقال:

— أهلاً بك دائماً في رحاب لغتك.. فالاعتراف بالخطأ، هو أولى خطوات المعرفة الصحيحة.

مقالات ذات صلة