في كل مرة نفتح فيها التليفزيون على برنامج “توك شو”، نشعر وكأننا أمام حلبة مصارعة، لا منبراً للحوار. صراخ، مقاطعة، اتهامات جاهزة، وأصوات تعلو على بعضها حتى تضيع الفكرة وسط الضجيج. وهنا يحق لنا أن نسأل: متى تحول “الحوار التليفزيوني” من أداة للتنوير إلى حلبة مصارعة؟
الهدف الأساسي من أي حوار إعلامي هو الوصول إلى الحقيقة، أو على الأقل عرض زوايا مختلفة لفهم أعمق. لكن ما نراه اليوم هو سباق من يصرخ أعلى، ومن يقاطع أسرع، ومن يلقي بالتهمة قبل أن يكمل الضيف جملته. النتيجة؟ مشاهد مرتبك، وفكرة ضائعة، وضيف يخرج خاسراً حتى لو كان محقاً.
الحوار ليس مباراة كسر عظام. هو فن الإنصات قبل الكلام، واحترام الرأي الآخر حتى لو اختلفنا معه. عندما يتحول إلى “خناقة منظمة” نخسر جميعاً: يخسر الإعلامي مصداقيته، ويخسر الضيف فرصته، ويخسر المشاهد عقله.
المسؤولية مشتركة. المذيع الذي يدير الحوار بلا قواعد واضحة، والضيف الذي يظن أن العصبية دليل قوة، والقناة التي تبيع المشاهدات على حساب القيمة. كلهم شركاء في تحويل الاستوديو إلى حلبة.
نحتاج أن نعود لأبجديات المهنة. وقت محدد لكل متحدث، مقاطعة ممنوعة إلا للتوضيح، وسؤال يهدف للفهم لا للإحراج. وقتها فقط سيعود للحوار التليفزيوني هيبته، ويعود المشاهد ليثق أن الشاشة منبر للعقل، لا ساحة للعراك.
يا سادة، المشاهد لا يريد أن يرى من “يفوز” بالخناقة. المشاهد يريد أن يفهم. يريد معلومة، تحليل، رؤية. يريد حواراً يضيف له، لا ضجيجاً يسرق منه وقته.
فليتذكر كل إعلامي وضيف: *الحوار التليفزيوني رسالة، وليس خلية مصارعة*. ومن لا يحترم الرسالة، فليترك المنب