أجلس على رصيف البحر في الإسكندرية، والهواء يضرب وجهي بملح خفيف، والموج يغسل الصخور وكأنه يغسل معها ما تراكم في صدري من تعب.
الإسكندرية لا تشبه أي مدينة. هنا البحر لا يصمت. يتكلم. يحكي لكل من يجلس وحيداً قصصاً قديمة عن الغرق والنجاة، عن العشاق الذين ودعوا بعضهم على هذا الكورنيش، وعن الغرباء الذين وجدوا في صوت الموج وطناً بديلاً.
أنظر إلى الماء فأرى نفسي. أرى الأيام التي مرت مسرعة، والوعود التي نسيتها، والأشخاص الذين بقوا في الذاكرة رغماً عني.
الموج يأتي ويذهب، لا يمل ولا يتعب. يعلمني أن الحياة كذلك: مد وجزر. أحياناً نرتفع وأحياناً ننسحب، لكننا في النهاية نعود.
العجوز الذي يصطاد بسنارته منذ الفجر، والشاب الذي يجري بلا هدف، والأم التي تحاول إسكات طفلها بخوفه من الموج. كل واحد منهم جاء للبحر بحكاية. لا أحد يأتي إلى الإسكندرية عبثاً. الكل يبحث عن إجابة، أو عن نسيان.
وأنا أغادر الشاطئ، يبقى سؤال واحد يلاحقني:
هل نحن من نزور البحر، أم أن البحر هو الذي يزورنا في كل مرة نشعر فيها بالضيق؟
الإسكندرية لا تعطيك حلولاً. هي فقط تجلس معك على الشط، وتقول لك: “اهدأ.. كل شيء يمر