محمود السنكري يكتب: البيت بيتك زي ما هو بيتي.. وكلنا ضيوف فيه

محمود السنكري يكتب: البيت بيتك زي ما هو بيتي.. وكلنا ضيوف فيه
كلمات قليلة.. ومعنى كبير.. هناك كلمات نسمعها وننساها وكلمات أخرى تظل معنا مهما مر الوقت ، ومن الكلمات التي تحمل معنى كبيرا رغم بساطتها.. قول الفنان الراحل عبد الوارث عسر في فيلم «البؤساء»: «البيت بيتك زي ما هو بيتي.. وكلنا ضيوف فيه».
قد تبدو الجملة عادية لكنها تحمل معنى الحياة كلها فالإنسان يأتي إلى الدنيا ولا يملك منها شيئا ثم يبدأ في جمع المال والأشياء ويبني بيتا ويصنع لنفسه مكانا ويظن أن كل ما حوله سيبقى معه لكن الحقيقة أن كل شيء مؤقت وأن الإنسان في النهاية ضيف مهما طال به العمر.
البيت ليس جدرانا:
البيت ليس جدرانا وأثاثا وأبوابا فقط، البيت هو الأم وهي تنادي أبناءها وضحكة الأطفال وصوت الأب وذكريات الأحبة الذين رحلوا وبقيت أماكنهم في الذاكرة.
قد يكون البيت صغيرا لكنه مليء بالحب فيشعر من بداخله أنه يملك الدنيا كلها وقد يكون البيت كبيرا وفخما لكنه بلا مودة فيشعر الإنسان داخله بالوحدة.
فالبيت الجميل ليس بكبره وإنما بمن يسكنه وبما يقدمه لأهله من أمان وراحة.
كلنا ضيوف:
أجمل ما في هذه الكلمات أنها تذكرنا بأننا جميعا ضيوف.. نحن ضيوف على بيوتنا وضيوف على أيامنا وضيوف في حياة بعضنا، ندخل حياة الناس ونعيش معهم ونحبهم ونختلف معهم ثم يأتي يوم يرحل فيه أحدنا ، ولهذا لا تجعل ما تملكه يأخذك من الذين تحبهم ولا تنشغل بجمع الأشياء وتنسى أن أجمل ما في الحياة هو الإنسان الذي تجلس بجواره وتشعر معه بالراحة.
لا تؤجل كلمة طيبة:
كم من شخص كان يحتاج إلى كلمة «آسف» ولم يسمعها وكم من أب أو أم أو صديق كان ينتظر كلمة حب لكننا انشغلنا وقلنا غدا.
ومشكلة غدا أنها ليست مضمونة.. قد يأتي يوم نتمنى فيه أن نعيد لحظة واحدة أو نقول كلمة لم نقلها أو نعتذر لإنسان لم يعد موجودا أمامنا لذلك لا تؤجلوا المحبة فإذا أحببت إنسانا فقل له وإذا أخطأت فاعتذر وإذا اشتقت إلى شخص فاسأل عنه فلا أحد يعرف متى يكون اللقاء الأخير.
الرحمة تجعل البيت بيتا:
البيت الذي لا توجد فيه رحمة مهما كان جميلا يظل باردا والبيت الذي يعيش أهله على التسامح والرحمة حتى لو كان بسيطا يكون مليئا بالحياة لا تجعل كل خطأ مشكلة ولا تجعل كل اختلاف سببا للخصام فنحن جميعا نخطئ ونغضب ونقول كلاما نندم عليه لكن الإنسان الطيب يعرف متى يعاتب ومتى يسامح ومتى يقول دعها تمر.. فليست كل معركة تستحق أن نخوضها وليست كل كلمة تستحق الرد.
نحن ضيوف في حياة بعضنا:
قد يعيش إنسان معنا سنوات طويلة ثم يأتي يوم ويرحل وقد نلتقي بإنسان آخر لفترة قصيرة لكنه يترك في حياتنا أثرا لا ننساه لذلك عامل الناس بالخير ما استطعت ولا تجعل وجودك سببا في حزن أحد ولا تستغل قلبا وثق بك، قد تنسى أنت موقفا فعلته لكن الشخص الذي تأذى منك قد يتذكره سنوات.
لا تتغير بسبب قسوة الآخرين:
في الحياة ستجد من يحبك بصدق ومن يقترب منك لمصلحة ومن يقف بجوارك وقت الشدة ومن يختفي عندما تحتاج إليه، لكن لا تجعل أخلاق الناس سببا في تغيير أخلاقك.
إذا كان غيرك قاسيا فلا تصبح قاسيا وإذا ظلمك أحد فلا تظلم غيره، كن كما تحب أن تكون وليس كما يريد الآخرون أن يجعلك.
أترك أثرا طيبا:
افعل الخير ولا تنتظر دائما كلمة شكر، ساعد من يحتاج إليك واجبر خاطر من تستطيع وقل كلمة طيبة لمن تقابله وإذا لم تستطع أن تفعل خيرا فعلى الأقل لا تؤذ أحدا فالحياة أقصر مما نتخيل والإنسان لا يعرف متى تنتهي رحلته وما يبقى منه بعد الرحيل ليس بيته ولا ماله وإنما سيرته في قلوب الناس.
عندما يأتي وقت الرحيل:
سيأتي يوم يغادر فيه الجميع، ستغلق الأبواب وتهدأ الأصوات وتبقى الذكريات وعندها سنعرف أن كثيرا من الأشياء التي أغضبتنا لم تكن تستحق كل هذا الغضب وأن كثيرا من الخصومات كان يمكن أن تنتهي بكلمة طيبة وسنعرف أن أهم ما في الحياة كان الحب والرحمة وصلة الرحم وجبر الخاطر وأن نقف بجوار من يحتاج إلينا.
كن ضيفا جميلا:
إذا كان البيت بيتك كما هو بيتي فتذكر أننا جميعا ضيوف فيه، لا أحد سيبقى إلى الأبد ولا أحد سيأخذ معه شيئا حين يرحل فاجعل وجودك خفيفا على من حولك ولا تترك وراءك جرحا في قلب إنسان، كن شخصا إذا حضر فرح الناس بوجوده وإذا غاب افتقدوه بالخير واترك وراءك كلمة طيبة وموقفا جميلا وذكريات لا تؤلم من عرفوك.
فأجمل ما يمكن أن يقال عن الإنسان بعد رحيله:
كان طيبا.. كان وجوده راحة.. وكان قلبه يسع الجميع.
وفي النهاية سنغادر جميعا هذا البيت مهما اختلفت أعمارنا ومهما اختلفت أحوالنا.
وستبقى الحقيقة كما هي:
البيت بيتك زي ما هو بيتي..
وكلنا ضيوف فيه.



