المقالات والسياسه والادب

بين لعنة الوعي والعقد النفسية

بين لعنة الوعي والعقد النفسية

بقلم: نور شاكر 

 

ليست كل الأشياء التي نرفضها عقدًا نفسية، وليست كل الحدود التي نضعها حول أنفسنا دليلًا على خلل فينا

 

أحيانًا يكون الإنسان أكثر وعيًا مما يسمح له بأن يتعامل مع بعض الأشياء ببساطة الآخرين، فيبدو لمن حوله معقدًا، بينما هو في الحقيقة يرى ما لا يرونه أو يرفض ما أصبحوا يتعاملون معه بوصفه أمرًا عاديًا

 

وهنا تظهر ما يمكن تسميته مجازًا بـ لعنة الوعي

فالوعي حين يتسع لا يجعل الإنسان أكثر راحة بالضرورة بل قد يجعله أكثر انتباهًا للتفاصيل وأكثر حساسية للتناقضات وأكثر قدرة على رؤية ما وراء السلوك والكلمات والمظاهر

 وكلما اتسعت دائرة الإدراك ضاقت مساحة الأشياء التي يستطيع الإنسان أن يتقبلها دون سؤال أو اعتراض أو تأمل

قد يرفض الواعي سلوكًا يراه الآخرون طبيعيًا لا لأنه عاجز عن فهمه بل لأنه فهمه أكثر مما ينبغي

وقد يبتعد عن علاقة لا يراها الآخرون مشكلة لأنه أدرك مبكرًا ما ستؤول إليه

وقد يمتنع عن المشاركة في بعض الأفعال لا خوفًا منها ولا عجزًا عن ممارستها بل لأن منظومته الفكرية والأخلاقية لم تعد تسمح له بأن يتعامل معها باعتبارها عادية

ومن هنا يحدث الالتباس

حين يعجز الآخرون عن فهم سبب الرفض يلجؤون أحيانًا إلى تفسيره نفسيًا فيقولون هذا شخص معقد أو لديه عقدة

 

لكن العقدة النفسية شيء آخر

 

العقدة تنشأ حين تصبح تجربة أو خوف أو جرح أو اعتقاد راسخ قوة خفية تؤثر في سلوك الإنسان وتدفعه إلى ردود أفعال قد لا تتناسب مع الواقع الذي يعيشه

أما الوعي فهو قدرة على الإدراك والفهم وربط الأشياء بسياقاتها ونتائجها

قد يتشابهان في المظهر لكنهما يختلفان في الجوهر

الشخص الذي يرفض شيئًا لأنه يخشاه دون أن يعرف لماذا قد يكون أسير عقدة

أما الشخص الذي يرفضه لأنه يعرف لماذا يرفضه ويستطيع تفسير موقفه ومراجعته إذا ظهرت له أدلة جديدة فليس بالضرورة معقدًا بل قد يكون أكثر وعيًا بحدوده وقيمه

المشكلة أن المجتمع لا يحب دائمًا الإنسان الذي يملك قدرة عالية على قول لا

فحين يعتاد الجميع على شيء يصبح الرافض له هو الغريب

وحين يصبح سلوك ما شائعًا يصبح الاعتراض عليه نوعًا من التعقيد

وحين يتوقف شخص عن مجاراة الجماعة يبدأ البحث عن تفسير نفسي لموقفه بدلًا من محاولة فهمه

 

ولهذا قد تتحول كلمة معقد إلى أداة لإسكات الاختلاف

 

فبدل أن نسأل لماذا يرفض هذا الشخص نسأل ما عقدته

 

وبدل أن نناقش فكرته نناقش نفسيته

 

وبدل أن نواجه حجته نحاول تشخيصه

وهنا تكمن مفارقة الوعي

أن الإنسان قد يُتهم بالتعقيد لا لأنه عاجز عن التكيف بل لأنه أصبح قادرًا على التمييز بين ما يستطيع التعايش معه وما لا يستطيع

 

ومع ذلك فإن الوعي نفسه ليس عصمة من العقد

 

فالإنسان الواعي قد يحمل جراحًا نفسية وقد يخضع لتحيزاته وقد يبرر بعض مخاوفه بلغة فلسفية عميقة

 

ولهذا لا ينبغي أن تتحول فكرة لعنة الوعي إلى ذريعة يختبئ خلفها الإنسان لرفض كل ما لا يعجبه

 

فالوعي الحقيقي لا يعني أن أرفض كل شيء

 

بل أن أعرف لماذا أقبل ولماذا أرفض

 

وأن أميز بين المبدأ والخوف وبين القناعة والجرح وبين الوعي والتحيز

 

العقدة تقول للإنسان لا تقترب لأنك خائف

أما الوعي فيقول اقترب إن شئت لكن افهم أولًا ما الذي تفعله ولماذا تفعله

 

العقدة تحاصر الإنسان داخل تجربة قديمة

أما الوعي فيمنحه القدرة على مراجعة تجاربه وأفكاره حتى لو اكتشف أن بعض ما كان يرفضه لم يكن يستحق الرفض

 

لذلك ليست المشكلة في أن يكون الإنسان مختلفًا في تقبله للأشياء

 

المشكلة أن نحاكم اختلافه قبل أن نفهم أسبابه

فليس كل من قال لا معقدًا

وليس كل من قال نعم متوازنًا

وليس كل ما اعتاده الناس صحيحًا لمجرد أنهم اعتادوه

وربما كانت لعنة الوعي الحقيقية أن ترى كثيرًا ولا تستطيع دائمًا أن تشرح للآخرين لماذا ترى

فتبدو متشددًا حين تكون دقيقًا

ومتشائمًا حين تكون منتبهًا

ومعقدًا حين تكون قد وضعت حدودًا لم يكن غيرك بحاجة إلى وضعها

 

لكن الوعي الناضج لا يبحث عن التفوق على الآخرين ولا يستخدم اختلافه لإدانة الناس

إنه يعرف أن لكل إنسان تجربته وحدوده ودرجة وعيه

ولهذا فإن أرقى درجات الوعي ليست أن أقول أنا أفهم أكثر

بل أن أمتلك القدرة على أن أسأل نفسي أيضًا

هل ما أرفضه أرفضه لأنني واعٍ به

أم لأنني مجروح منه

وهل ما أقبله أقبله عن قناعة

أم لأنني اعتدت عليه

فبين الوعي والعقدة مساحة لا يحسمها الحكم السريع

وما يبدو من الخارج تعقيدًا قد يكون أحيانًا وعيًا زائدًا

وما يبدو وعيًا عميقًا قد يكون أحيانًا عقدة تختبئ خلف لغة جميلة

ولهذا فإن فهم الإنسان أعمق بكثير من إطلاق صفة عليه

مقالات ذات صلة