(أبو الأمل )ملفينا توفيق ابومراد / لبنان

(أبو الأمل )ملفينا توفيق ابومراد / لبنان
يقول الراوي:
وأنا عائد من عملي مساءً، رأيت جمعًا من الناس قرب بيتي وبيت أحد جيراني أو أعمامي.
في القرية كانت البيوت متقاربة، إلى درجة تشعر معها أحيانًا أن البيوت بيت واحد. فعندما كانت العائلة تُزوّج أحد أبنائها الذكور، كان يبني غرفة في بيت أبيه، لتبقى العائلة مجتمعة، وتبقى سلطة الأب والأم جامعة.
وكلما كان عدد الذكور في البيت أكبر، وكلما تزايدت ولادات أبنائهم، إلى درجة أن الرائي لا يعود يميز: هذا ابن مَن؟ وهذه ابنة مَن؟ يتحول البيت إلى حارة، والحارة إلى حي، والحي إلى عشيرة.
دخلت بيت الجيران، ونحن أولاد أعمام أصلًا، فرأيت العم الأكبر مُسجّى في وسط الدار. النساء يولولن وهن متشحات بالسواد، وزوجتي وبناتي منهمكات في الخدمة. وكانت العادات تقضي بأن تمكث النساء حيث يُسجّى الميت، بينما يجتمع الرجال مع المعزين في مكان آخر.
قلت: الدوام لله
الله يرحمك يا عمي
تنحيت بابن العم البكر، واسمه الأمل، وكان منفردًا وأشدّ حزنًا من الجميع. دعوته مع الرجال إلى منزلي، كما تقتضي الأعراف، فوافق.
أرسلت في طلب زوجتي أن توافيني. حضرت مستغربة، وعندما علمت بنيتي وافقتني.
دعونا الرجال المتجمعين في باحة بيت العم المتوفى إلى التفضل إلى منزلي، وهكذا كان.
وقبل منتصف الليل، حضرت زوجتي الغرف ليرتاح أبناء الفقيد، وهم أبناء العم.
لكن الأمل، الابن البكر، لم يغادر مقعده منذ وصولنا. كان حزنه ظاهرًا، ونظره شاردًا بشكل مخيف.
قلت له:
ـ أزح هذا الجبل عن منكبيك وأخبرني. صحيح أننا أقرباء وأصدقاء ورفاق طفولة.
قال:
ـ قبل وفاته بدقيقتين، قال لي: «أنت الأوعى والأفهم، أنت أب ورب هذه العائلة»، ثم أسلم الروح.
منذ ذلك الحين وأنا مشتت العقل، أراجع كل مشاكله معي، متهمًا إياي بالتكبر والغرور، وبأنني لا أهتم بهذه العائلة التي أنا بكرها، مع أنني، كما إخوتي، لا أفضح أسرار بيتنا، وكل مداخيلنا كانت بيد الوالد، رحمه الله.
إن تمرد ولد، يقول له:
«أنت كعمك الأمل».
وإن ثار أحد أفراد العائلة، القريبة أو البعيدة، ينسبون ثورته أو تصرفه إليّ، حتى أصبح اسمي مضرب مثل بالسوء والتمرد، بل مدرسة فيهما.
مرة، قال أحد إخوتي لابني:
«لا تتمرد كأبيك».
وافقه أبي، فثار ابني أكثر وقال:
«والدي اسم على مسمى، ولم أرَ رجلًا بارًا مثله».
حتى سمعت مرة أحد الجيران يقول لابنه:
«كأنك ابن الأمل، لا ابني، بتمردك».
حتى الآن لم أفهم التناقض بين أفكار والدي وإخوتي، وبين نظرة الجميع إليّ باعتباري المتمرد، وبين قوله لي قبل ساعات:
«أنت الأوعى والأفهم، أنت أب ورب هذه العائلة».
أجبته، لا من باب التحبب أو جبر الخاطر:
ـ أنت يا صديقي، وأقولها بفخر، لأنك صادق، لا تحابي ولا تجامل.
ـ عمي، رحمه الله، جسد سيصبح مأكلًا للدود، وروحه عند خالق الكون.
ـ أنا أتعظ منك، وأحيانًا أقوم بما تقوم به أنت، ليس من باب التقليد، لأن من يحافظ على حقه يسلم، ومن يتهاون به يندم.
ـ لا تستهِن بالغيرة يا صديقي. كل من يحاول الحط من شأنك يكون يغار من حزمك وعزمك ونجاحك.
وهنا ينتهي حديث الأمل، لكن لا ينتهي السؤال:
هل كان الأمل متمردًا كما وصفوه
، أم كان يرى ما لم يره الآخرون؟
٢٠٢٦/١٠/٧



