المقالات والسياسه والادب

أكتوبر وطن لا يموت

أكتوبر وطن لا يموت

.

كتب: محمود جاب الله 

 

لم تكن ملحمة أكتوبر مجرد نصر عسكري سجلته الخرائط، بل كانت ميلادا جديدا لوطن رفض أن يموت. ففي ظهيرة السادس من أكتوبر، العاشر من رمضان، لم يعبر الجيش المصري قناة السويس فحسب، بل عبر بالمصريين جميعا من مرارة الانكسار إلى حلاوة الكبرياء. ست سنوات كان فيها الحزن مقيما في كل بيت، حتى جاءت اللحظة التي ارتفعت فيها صيحة الله أكبر فاهتز لها الساتر الترابي وخط بارليف الذي ظنه العالم لا يقهر، فإذا به ينهار أمام إرادة جندي آمن بأن الأرض لا تسترد إلا بالدم.

 

إن سر أكتوبر لم يكن في السلاح، بل في الإنسان المصري البسيط الذي حول بيته إلى جبهة، فالأم التي كانت تخبز وتدعو، والعامل الذي كان يسهر في مصنعه، والطالب الذي كان يذاكر على ضوء شمعة وقت الغارات، كلهم كانوا شركاء في العبور. كانت الجبهة الحقيقية في شوارع مصر الخلفية، حيث تجمع الجيران حول مذياع واحد، وحيث كانت الرسائل القادمة من الجبهة تقرأ كأنها آيات من النصر، وحتى التي لم تصل كانت وساما على صدر الوطن.

 

واليوم حين نحدث أبناءنا عن أكتوبر، لا نحدثهم عن دبابة عبرت أو طائرة قصفت، بل نحدثهم عن وطن لا يموت، عن كرامة استردت بعرق الرجال ودموع الأمهات، عن درس خالد يقول إن المصري إذا أراد فعل، وإذا عزم عبر، وأن المستحيل كلمة لا مكان لها في قاموس هذا الشعب. رحم الله شهداءنا الذين كتبوا بدمائهم أن مصر باقية، وأن أكتوبر لم يكن يوما وانتهى، بل هو روح تسري فينا كلما احتاج الوطن لمن يعبر به مرة أخرى.

مقالات ذات صلة