المقالات والسياسه والادب

الثقافة ليست شهادة على الحائط

بقلم: محمود جاب الله
الثقافة ليست شهادة على الحائط
لطالما ارتبطت كلمة “مثقف” في أذهاننا بحامل الشهادات ، صاحب الدرجات العلمية التي تزين جدران مكتبه. لكن الواقع يكذب هذه الصورة النمطية كل يوم. فكم من حامل للدكتوراه لا يجيد الحوار، وكم من شخص بسيط يبهرك بعمق فكره واتساع أفقه.
الثقافة ليست ورقة، والشهادة ليست صك ثقافة. الشهادة تثبت أنك اجتزت امتحاناً في تخصص ضيق، أما الثقافة فتثبت أنك اجتزت امتحان الحياة.
الشهادة تمنحك وظيفة، أما الثقافة فتمنحك رؤية. الأولى تعلمك كيف تعمل، والثانية تعلمك لماذا تعمل. وقد نرى شاباً يحمل شهادة في الهندسة ولا يستطيع كتابة فقرة سليمة، بينما نجد سائق تاكسي يحفظ الشعر ويحلل السياسة ويتذوق الموسيقى.
لقد غيرت التكنولوجيا مفهوم الثقافة تماماً. لم تعد الثقافة حكراً على قاعات المحاضرات. اليوم، يمكن لعامل بسيط أن يقرأ أمّهات الكتب عبر هاتفه، ويستمع لمحاضرات جامعات العالم وهو في حقله، ويتعلم تقنية جديدة كل يوم. وهنا يبرز السؤال الذي طرحناه في المدارس: كيف تساعدنا التكنولوجيا على التعلم بشكل أفضل؟ الإجابة هي أنها حررت التعلم من سجن الشهادة.
المثقف الحقيقي ليس من يرص الكتب في مكتبته، بل من يرتب الأفكار في عقله. هو من يملك بعض المهارات مثل تقنية البحث عن المعلومة الصحيحة، ومهارة تنظيمها وفهمها، ورغبة دائمة في أن يكون أفضل. ليس بالضرورة أن يكون متخرجاً، بل أن يكون متسائلاً.
نحن لا نقلل من قيمة الشهادة، فهي جهد يُحترم ونظام يحفظ للمجتمع تخصصاته. لكن الخطر أن نختزل الإنسان في شهادته. أن نحكم على العقول بالأختام، لا بالأفكار.
إن أمة تريد أن تنهض، يجب أن تفرق بين التعليم والثقافة. التعليم أن تعرف معلومة، والثقافة أن تعرف ماذا تفعل بهذه المعلومة.
فالثقافة سلوك قبل أن تكون سيرة ذاتية، وتواضع قبل أن تكون لقباً، وفضول لا يشبع.

وليست شهادة تُعلق على الحائط.

مقالات ذات صلة