المقالات والسياسه والادب
الحب الوهمي في زمن السوشيال ميديا

بقلم: : محمود جاب الله
لم يعد الحب كما عرفناه في روايات نجيب محفوظ، ولا كما كتب عنه إحسان عبد القدوس. لم يعد ذلك الشعور الذي ينمو ببطء في قلبين التقيا صدفة في طريق، أو جمعتهما مقاعد الدراسة، أو وحدة الجوار. في زمن السوشيال ميديا، أصبح الحب سريعاً، خفيفاً، قابلاً للحذف بضغطة زر، تماماً كمنشور على فيسبوك.
نحن أمام ظاهرة تستحق التأمل، يمكن أن نطلق عليها “الحب الوهمي”.. حب يولد في غرف الدردشة، ويكبر بالقلوب الحمراء، ويموت حين ينطفئ الواي فاي.
كيف نصنع وهماً ونسميه حباً؟
المشكلة تبدأ من الصورة. على السوشيال ميديا، لا أحد يظهر كما هو، بل كما يريد أن يراه الآخرون. نحن ننشر أفضل صورنا، وأرق كلماتنا، وأكثر لحظاتنا سعادة. يختار كل طرف أن يقدم نسخة مثالية من نفسه. فتقع الفتاة في حب رجل لا يغضب ولا يخطئ، ويقع الشاب في حب فتاة لا تحزن ولا تمل. كلاهما أحب صورة، لا إنساناً.
ثم يأتي التفاعل اليومي الذي يخلق ألفة زائفة. رسالة صباح الخير كل يوم، تعليق سريع، أغنية مرسلة في منتصف الليل. هذا التواصل المستمر يوحي بالاهتمام والقرب، لكنه في الحقيقة تواصل بلا تكلفة. فمن السهل أن تكتب “أنا بجانبك” وأنت على بعد آلاف الأميال، ومن الصعب حقاً أن تكون بجانب أحد في لحظة ضعفه الحقيقية.
أخطر ما في هذا الحب الوهمي أنه يمنحنا مشاعر الحب دون مسئولياته. نشعر بالدفء والونس والاهتمام، دون أن نضطر لمواجهة عيوب الآخر، أو تحمل مزاجه، أو مشاركة يومه الممل. إنه حب معقم، بلا خلافات، بلا التزامات، ولهذا فهو ينهار عند أول اختبار واقعي.
لا يمكن أن نلوم الشباب وحدهم. الحب الوهمي هو نتاج زمن كامل.
أولاً، هو زمن الوحدة الجماعية. نحن متصلون بالمئات، لكننا نشعر بوحدة شديدة. وسط ضغوط الحياة، وارتفاع تكاليف الزواج، وصعوبة بناء علاقات حقيقية في عالم مزدحم ومتوتر، يصبح الحب الرقمي ملاذاً سهلاً وسريعاً ورخيصاً.
ثانياً، هو زمن الاستعراض. أصبحت العلاقات نفسها مادة للعرض. صور الخطوبة، والهدايا، وعبارات “ربنا يخليك ليا” أصبحت ضرورة لإثبات أننا محبوبون. فصار البعض يبحث عن أي علاقة، حتى لو كانت وهمية، لمجرد أن يشعر أنه مرغوب فيه، وأنه ليس أقل من الآخرين.
ثالثاً، هو زمن الخوف من الالتزام. الحب الحقيقي يتطلب شجاعة: شجاعة الاعتراف، وشجاعة المواجهة، وشجاعة تحمل العواقب. أما الحب الوهمي فيوفر منطقة آمنة، يمكنك الانسحاب منها في أي لحظة بجملة واحدة: “أنت عملت لي بلوك ليه؟” ثم تنتهي القصة كأنها لم تكن.
الخطر ليس في أن ينتهي هذا الحب، فكل حب وهمي ينتهي حتماً. الخطر في ما يتركه وراءه.
يترك وراءه جيلاً فقد الثقة في المشاعر. فتاة تعرضت للخذلان مرتين عبر الشات، ستعتقد أن كل الرجال كاذبون. وشاب خدعته فتاة بصور ليست لها، سيعتقد أن كل النساء مخادعات.
ويترك وراءه تشوهاً لمفهوم الحب نفسه. أصبح الحب يقاس بعدد الرسائل، وسرعة الرد، وعدد المتابعين المشتركين. نسينا أن الحب موقف، ومسئولية، وسند في وقت الشدة، وليس مجرد “أنت متصل الآن”.
والأخطر أنه يستهلك طاقتنا العاطفية. فنعيش قصصاً طويلة من القلق والانتظار والغيرة على شخص لم نلتق به، ونستنزف مشاعرنا في علاقة لا وجود لها على أرض الواقع، ثم لا يبقى لدينا شيء لنقدمه لعلاقة حقيقية حين تأتي.
ليست دعوة لمقاطعة التكنولوجيا، فالسوشيال ميديا أداة، ويمكن أن تكون بداية جميلة لقصص حقيقية، وكم من زيجات ناجحة بدأت برسالة على الإنترنت. لكن الفارق بين الوهم والحقيقة هو الانتقال من العالم الافتراضي إلى العالم الواقعي.
الحب لا يُختبر بطول المحادثات، بل بقصر المسافات. لا يُختبر بجمال الكلمات، بل بصدق الأفعال عند الخلاف. لا يُختبر وأنتما في أفضل حالاتكما، بل وأنتما في أسوأ حالاتكما.
نحن بحاجة أن نعيد تعليم أبنائنا أن الحب ليس “لايك” و”كومنت”، بل هو قرار والتزام. وأن الشخص الذي يستحق قلبك هو من تراه في وضح النهار، بين أهلك وأصدقائك، في فرحك وحزنك، وليس من يظهر فقط حين تكون الشاشة مضاءة والغرفة مظلمة.


