المقالات والسياسه والادب
ظلمتك وليت الزمان يعود بين ذنب الجلاد وحرقة الضحية

بقلم الصحفى و الروائى/ محمد سعيد اللبانى
ظلمتك وليت الزمان يعود بين ذنب الجلاد وحرقة الضحية
جلس الحاج عبد الجواد على مقعده الخشبي المتهالك فى شرفة بيته العتيق لا ليترقب طارقاً بل ليحصي تجاعيد خذلانه .
خمسة وثلاثون عاماً أفنى فيها عمره وصحته في دكانه البسيط الصغير ليربي أبناءه بعد رحيل زوجته .
حرم نفسه لقمة العيش ليراهم أطباء ومهندسين لكن ما إن اشتد ساعدهم وتزوجوا حتى قسموا تركته في حياته كأنهم يرثون ميتا وتواروا عن نظراته الشاحبة في مرضه تاركين إياه وحيداً في منزل متهالك لا يطرق بابه سواه .
ظل سنوات يتجرع كأس الظلم والجحود بصمت حزين يتحول فيه قلبه تدريجيا إلى كتلة صلبة من الجليد
وفي ليلة عاصفة طرق أحد أبناءه الباب بعنف كان ابنه الأصغر عمر يرتجف واقفا بدموع منكسرة بعد أن تورط في قضية مالية طاحنة وشيكات بلا رصيد توشك أن تلقي به في غياهب السجون لم يكن هناك من ينقذه سوى الأب الذي علم مصادفة أن قطعة الأرض الوحيدة المتبقية لديه قد تضاعف سعرها بشكل خيالي .
استبد الشيطان بقلب الأب في تلك اللحظة تذكر كل دمعة سربها صمته طوال السنين وكل ليلة قضاها يناجي العتمة وحده نظر إلى ابنه المرتجف وفتحت عيناه على وميض الانتقام المرير .
أمام مرأى ومسمع من الابن أنهى الأب إجراءات بيع الأرض وقبض الثمن كاملا مد الابن يده برجاء يائس وظن أن والده سينقذه في الرمق الأخير لكن الحاج عبد الجواد أمسك بالمال بقسوة غريبة وقال بصوت يشبه حفيف الشجر اليابس : هذا المال سأبني به مأوى للغرباء ولن تلمس منه جنيها واحدا ينقذك .
ذق من الكأس ذاتها التي سقيتموني إياها فالظلم ظلمات والبادئ أظلم
صرخ الابن صرخة مزقت سكون الليل وهو يرتمي على قدمي أبيه يقبلهما بانهيار : يا أبي أين رحمة الأب ، سُأسجن سينهار بيتي و انا أعترف أنني قسوت عليك وظلمتك وليت الزمان يعود لأكون التراب تحت قدميك لكن ارحمني اليوم .
خرج الابن يجر أذيال الهزيمة والانهيار نحو مصيره المحتوم بينما بقي الأب وحيداً في الغرفة .
هنا بدأت المعركة الحقيقية داخل روح الحاج عبد الجواد
في البداية شعر بنشوة القصاص وغريزة الانتصار فقد رد كبرياءه الممرغ في التراب لكن سرعان ما تداعت النشوة كبيت من الرمال .
فراغ رهيب التف حول صدره صار الصمت في البيت أثقل من الجبال أخذ يقلب المال بين كفيه فلم يره ورقا رابحا بل رآه ورقة تبادل تجاري مسعرة بحرية و إنهيار ابنه وقطعة من روحه .
تناهى إلى سمعه صدى صراخ ابنه واعترافه المتأخر بجحوده (أعترف أنني ظلمتك وليت الزمان يعود) .
فأدرك بوجع فادح أن ندم ابنه على إساءته السابقة قد وصله متأخرا لكن ندمه هو على قسوته الحالية قد ولد في التوقيت نفسه وبشكل أكثر قسوة .
نظر الأب إلى انعكاس وجهه في مرآة الغرفة القديمة فلم ير الأب الصابر المظلوم الذي يحترمه الضمير بل رأى ملامح جلاد قاسي القلب سرق منه الانتقام ما تبقى من إنسانيته .
تدحرجت دمعتان حارقتان على خديه المتجعدتين وسقطت إحداهما على النقود .
أغمض عينيه بعنف وكأنه يهرب من نفسه وتمتم بصوت خجل و خانق :
يا الله لقد استرددت حقي بالكامل لكني خسرت ابني وخسرت نفسي متى تحولت أنا أيضا إلى ظالم



