المقالات والسياسه والادب
حين يتسول النجوم حب الجمهور

بقلم: محمود جاب الله
لم يعد الفن عند بعض نجوم اليوم موهبة، بل أصبح استعراضا. ولم تعد النجومية تُبنى بالدور الجيد، بل تُبنى بالتريند والضجيج وافتعال الأزمات.
خذ مثلا ما يفعله محمد رمضان. فنان يمتلك حضورا وموهبة لا ينكرها أحد، وكان يمكن أن يكون نجما كبيرا بأعماله فقط. لكنه اختار طريقا آخر: الاستعراض اليومي بالمال والسيارات والطائرات، والردود المستفزة، والفيديوهات التي لا هدف لها سوى أن يقول للناس: “انظروا إليّ، أنا الأغنى، أنا الأقوى، أنا رقم واحد”. حتى صار اسمه مرتبطا بالأزمات أكثر من ارتباطه بالأعمال. وصار الجمهور يناقش تصريحاته أكثر مما يناقش أدواره.
وخذ مثلا ما يفعله أحمد العوضي. فنان بدأ قويا، وأحبه الناس في أدوار الرجولة والشهامة. لكنه في الفترة الأخيرة، تحول إلى نجم للسوشيال ميديا أكثر منه نجم شاشة. فيديوهات يومية، استعراض للقوة والعضلات، وتصريحات مثيرة، ومعارك كلامية لا تنتهي. وكأن الفن لم يعد يكفيه، فصار يبحث عن النجومية في كل “لايك” وكل “شير”، حتى لو كان الثمن هو أن يتحول من فنان محترم إلى مادة للسخرية والتريند.
وهما ليسا وحدهما. هناك كثيرون غيرهم يسيرون على نفس الطريق. فنان يفتعل خناقة مع زميله قبل عرض مسلسله بأيام، وفنانة تتعمد إثارة الجدل بملابسها وتصريحاتها، وفنان ينشر حياته الخاصة كلها على الهواء، ليظل اسمه متداولا، حتى لو لم يكن لديه عمل واحد يستحق المشاهدة.
إن هذا هو “تسول النجومية” في أبشع صوره. أن يتسول الفنان حب الناس، لا بفنه، بل بضجيجه. أن يفرض نفسه عليهم كل يوم، حتى لو كان ذلك بالاستفزاز وإهانة الذوق العام.
لقد كان نجوم زمان يهربون من الكاميرا، ليعودوا بعمل يهز القلوب. كان أحمد زكي يختفي عاما كاملا، ليعود بدور يدرّس. وكان عادل إمام لا يتحدث إلا من خلال أعماله. وكان عبد الحليم لا يظهر إلا ليغني، فيغني فيسكت الجميع احتراما.
أما نجوم التسول، فهم لا يصمتون أبدا. لا يتركون هواتفهم. يخافون أن ينساهم الناس، ولا يعرفون أن الناس لا تنسى الفنان الحقيقي أبدا، لكنها تملّ سريعا من الفنان المزعج.
والمصيبة أن هؤلاء يقدمون نموذجا خطيرا للشباب. الشاب اليوم يرى رمضان والعوضي وغيرهم، فيظن أن النجومية هي أن تستعرض مالك، وتتحدى الناس، وتفتعل المشاكل، وتقول “أنا نمبر وان”. فيظن أن الفن لا يحتاج إلى موهبة ولا ثقافة ولا احترام، بل يحتاج إلى جرأة في الاستفزاز.
وهذا ظلم كبير للفن المصري. فمصر التي قدمت أم كلثوم وعبد الوهاب وفاتن حمامة وشادية ونور الشريف، لا تستحق أن يمثلها فن التسول. ولا تستحق أن يتحول فنها إلى سوق للاستعراض والصراخ.
إننا لا نهاجم أحدا لشخصه، ولا ننكر موهبة أحد. لكننا نقولها بصدق: يا رمضان، ويا عوضي، ويا كل فنان اختار هذا الطريق، موهبتكم أكبر من الترند. وتاريخكم أكبر من فيديو. وجمهوركم يستحق منكم فنا، لا استعراضا.
النجومية الحقيقية لا تُشترى بالمال، ولا تُتسول بالضجيج. النجومية تُمنح من الجمهور، لمن يحترم الجمهور.
ومن يحترم جمهوره، سيظل نجما، حتى لو غاب.

