المقالات والسياسه والادب

يتامى الأب وهو على قيد الحياة بقلم / عبير عبده

يتامى الأب وهو على قيد الحياة

في مجتمعنا، هناك فئة من الأطفال نُخطئ كثيرًا حين نُعاملهم وكأنهم يعيشون حياة عادية.
هم ليسوا أيتامًا بالمعنى المعروف، لكنهم فقدوا ما هو أثمن: فقدوا الأب الحي.

هم أبناء المُطلقات، الذين انفصل آباؤهم عن أمهاتهم، وقرروا أن ينفصلوا عن أبنائهم كذلك.
هؤلاء الأطفال لا يملكون رفاهية الأبوة، لأن “الأب” طلقهم مع أمهم.
طلقهم من الحنان، من السؤال، من المصروف، من الاحتواء، ومن كل ما يجعل الطفل يشعر بوجود الأب كأمان وسند.

نعم، طلقهم.
وبإرادته، قرر أن يغيب، وأن يتحول من ظهر وسند، إلى فراغ موجع لا يملأه شيء.

الله سبحانه وتعالى قال:

> “وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف” [البقرة: 233]
والمقصود هنا واضح، لا لبس فيه. النفقة واجبة، والمسؤولية ثابتة، لا علاقة لها باستمرار العلاقة الزوجية من عدمه.

بل إن الله جلّ وعلا، في موضع آخر، قدّم رزق الأبناء على الآباء فقال:

> “نحن نرزقهم وإياكم” [الإسراء: 31]
وكأن الرسالة واضحة: أبناؤكم أولى، لا تتركوهم.

والنبي صلى الله عليه وسلم شدّد فقال:

> “كفى بالمرء إثمًا أن يُضيّع من يَقوم على عِولتهم.” [رواه أبو داود]
فكيف بمن يضيّع، ويتخلّى، ويحارب ويؤذي؟
كيف بمن يجرح أبناءه بصمته، بإهماله، بل وأحيانًا بخصومته وعداوته؟

الأب الحقيقي لا يختفي.
لا يعاقب أولاده بذنب لا دخل لهم به.
لا يتحوّل إلى غريب عنهم، وكأنه لم يكن يومًا في حياتهم.

للأسف، كثير من الأطفال اليوم يعيشون يُتمًا من نوعٍ جديد، أشد قسوة من يُتم الموت…
فالميت تُغلق خلفه الأبواب بالحزن،

أما الحي الذي يتخلّى، فكل لحظة تمرّ تُفتَح فيها جراح جديدة، وأسئلة مؤلمة لا إجابة لها:

> “ليه بابا مش بيسأل عليّا؟
هو أنا مش ابنه؟
هو نسيّني؟
هو زعل من ماما ولا مني أنا؟”

والإجابة تكون:
لأن في أب قرر يخلع رجولته مع طلاقه، وينسى دوره، ويظلم أغلى ما يملك.

لكن… ورغم كل هذا الألم، في أبطال بيتولدوا كل يوم.

ولاد المُطلقات مش بس أيتام… دول أبطال بيعيشوا ويكبروا في ظل أم واحدة، لكن بميت قلب.
أم بتشتغل وتتعب وتتحمّل كل شيء لوحدها، من غير شكوى، ولا عتاب.
بتكون الأب والأم، المدرسة والحضن، السند والدعاء، القلب والعقل.

الأم دي، اللي بيقال عنها “مطلقة” كأنها تهمة،
هي في الحقيقة “بطلة” تاج على الراس،
ربنا كرمها وقال:

> “فإمساكٌ بمعروف أو تسريحٌ بإحسان” [البقرة: 229]

لكن للأسف، لم يمسك البعض بمعروف، ولم يُطلِقوا بإحسان، بل بطرد، وخصومة، وقطع صِلة.

وفي وسط ده كله، بيطلع طفل مش بس محتاج حب، لأ، محتاج تعويض، ومحتاج مجتمع واعي يحتويه، ويشيل معاه الحمل، ويعامله على إنه مش مكسور ولا ناقص، بل على إنه ناجي… من أب غايب.

الأب الغايب اختار يكون خصم.
لكن الزمن لا ينسى.
ويمكن ييجي يوم، الطفل ده يبقى راجل ناجح، أو بنت ناجحة،
وييجي الأب اللي اختفى، يدور على حضن، وما يلاقيهوش.

لذلك أقول:

إلى الآباء الغائبين:

لو مش قادر تكون أب، على الأقل لا تكون خصم.

لو مش هتسأل، متأذيش.
لأنك مش بس بتؤذي أولادك،
أنت بتسجل نفسك في قائمة الذين خانوا الأمانة.

وربنا قال في الحديث القدسي:

> “يا عبادي، إني حرّمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرّمًا، فلا تظالموا.”

وفي الختام، لكل طفل موجوع… ولكل أم مطلقة مُكافحة…

أنتم مش وحدكم.
ربنا شايف، وسميع، وعادل.
والوعد عنده،

> “إن مع العسر يُسرًا” [الشرح: 6]
ومهما ضاقت، هييجي النور، وهييجي العوض، وهييجي اليوم اللي تقول فيه:

“عديت، ونجحت، ووقفت على رجلي… رغمك.

مقالات ذات صلة