المقالات والسياسه والادب

إلى من ضاق عليه الرزق واشتد عليه الحال

بقلم:د. تامر عبدالقادر عمار
إلى من ضاق عليه الرزق واشتد عليه الحال
في ركنٍ من زوايا الحياة، يقف الكثيرون وهم يُحدِّقون في فراغ جيوبهم، ويُحصون الأيام التي مرت دون عمل، والدقائق التي ينهش فيها القلق قلوبهم كما يفعل الجوع في البطون. إنه مشهد ليس نادراً، بل متكرّر، ويزداد حضوره كلما اشتدت أزمات العالم، وتقلّبت ظروف الاقتصاد، وارتفعت كلفة العيش. نقص المال وقلة العمل، ابتلاء لا يطرق باباً دون أن يترك أثراً، لكنه في عمقه ليس مجرد ضيق، بل اختبار، وربما فرصة يختبر فيها صبره، وتُقاس فيها قوته الحقيقية.
إلى من ضاق عليه الرزق، واشتد عليه الحال، أكتب لك لا من برجٍ عاجي، بل من قلبٍ يشعر، وعقلٍ يدرك أن الحياة ليست دائمًا كما نرسمها، وأن الضيق ليس عيبًا، بل طريقًا.
فالرزق ليس فقط أرقامًا في حساب مصرفي، ولا مالاً يُعد، ولا طعامًا يُخزَّن. الرزق شعور بالأمان، بالطمأنينة، بالقوة التي تمنحك القدرة على الوقوف في وجه الغد بثقة. لكن حين يضيق هذا الرزق، وتنقطع الموارد، وتصبح أبسط الحاجات عبئًا ثقيلًا، يشعر الإنسان وكأن الأرض ضاقت عليه بما رحبت، وكأن الجدران تقترب منه أكثر فأكثر.
وربما يقول في سره: لماذا أنا؟ ما الخطأ الذي ارتكبته؟ كيف أواجه أسرتي؟ من أين أبدأ؟ وهنا تبدأ الحرب النفسية، لا مع العالم الخارجي، بل مع الذات.
الضيق ليس إهانة، بل رسالة. وربما أعظم الدروس لا تُكتب في كتب، بل تُكتب على جدران التجربة، في لحظات الانكسار، وعبر الدموع التي تسيل بصمت. من قال إن الراحة هي الأصل؟ إن أعظم العظماء لم يعرفوا المجد إلا بعد العثرات، ولم تلمع أسماؤهم إلا بعد أن خاضوا في بحر الحاجة والخوف.
كل ابتلاء هو نداء لتغيير شيء ما: في الفكر، أو النية، أو المسار. وربما كان الضيق نعمة تخفي في طياتها يقظة كانت غائبة، أو بابًا ما كان ليفتح إلا بعد أن تُغلق الأبواب كلها.
حين يضيق بك الحال، لا تنظر فقط إلى الأرض، بل ارفع بصرك نحو السماء. هناك رب كريم، لا ينسى عباده، وإن طال الانتظار. ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾، فلا تيأس من تأخر الرزق، ولا تظن أنه ضاع، فإنما هو مُقدَّر بميزان لا تخطئه يد الله.
الدعاء، الصدقة، حسن الظن بالله، والإيمان العميق أن ما كُتب لك لن يأخذه غيرك، هي مفاتيح لا يعرف سرّها إلا من ذاق الضيق بصدق. وليس شرطًا أن يأتي الفرج مالًا، ربما يأتي راحة في القلب، أو فكرة تنقلك من العجز إلى العمل، أو شخصًا يُمدّ لك يده في الوقت المناسب.
ليس عيبًا أن تبدأ من جديد، أن تعيد النظر في مصادر رزقك، في مهاراتك، في قدراتك التي ربما أهملتها طويلًا. العالم يتغير، وسوق العمل لم يعد كما كان. اليوم، المهارات الرقمية، العمل الحر، المشاريع الصغيرة، والمهن اليدوية، كلها مسارات مفتوحة أمام من يبحث عن رزقه بجدّ واجتهاد.
تعلم، طوّر نفسك، اعرض خدماتك، لا تخجل من بيع ما تُنتجه يدك، ولا تستصغر أي مصدر دخل. فالرسول صلى الله عليه وسلم قال: “لأن يحتطب أحدكم حزمة على ظهره خيرٌ له من أن يسأل أحدًا فيعطيه أو يمنعه.”
وفي الختام.. لا تفقد ثقتك بالله ولا بنفسك
يا من ضاق عليك الرزق، واشتد عليك الحال، اعلم أن الضيق لا يدوم، وأن الشمس لا تُحبس خلف الغيم طويلًا، وأنك حين تُحسن الظن بالله، وتعمل، وتثبت، فإنك تزرع اليوم ما ستجنيه غدًا.
واذكر قول النبي صلى الله عليه وسلم: “واعلم أن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسرا.

د.تامر عبد القادر عمار

خبير التسويق والتخطيط الاستراتيجي

استشاري اسري وتربوي

لايف كوتش السعادة

مقالات ذات صلة