منوعات

هدايا الحياة

هدايا الحياة

 

بقلم: د. تامر عبد القادر عمار

الحياة رغم صعوبتها وتقلباتها، تمتلك لمسة من الكرم الخفي. ذلك الكرم لا يأتي دوماً في صورة المال أو المناصب، بل قد يتجلى أحياناً في أبسط وأصدق أشكاله: أشخاص يشبهون الهدايا. نعم، فالحياة حين تُحبّك، لا ترسل لك إشعارًا على هاتفك المحمول، بل تبعث إليك شخصًا، يمشي إليك بخطى القدر، يرمم فيك ما تهدّم، ويضيء داخلك ما أظلم، ويأخذ بيدك دون مقابل.

هؤلاء الأشخاص لا يطرقون أبوابنا بصخب، بل يتسلّلون إلينا بلطف، في لحظة كنا نظن فيها أننا وحدنا. يظهرون حين نتعثر، لا ليدينونا، بل ليقولوا: “أنا هنا، ولن أدعك تسقط.” وربما لا يملكون العصا السحرية لتغيير كل شيء، لكنهم يمتلكون قلوبًا دافئة، وأرواحًا مضيئة، وحدسًا يعرف كيف يربت على كتفك دون أن تطلب.

ليس بالضرورة أن يكونوا كُثُرًا، فالحياة لا توزعهم بالعشرات. هم نادرون، ووجودهم في حياتنا لا يُقاس بعدد سنوات العشرة، بل بعمق الأثر، بصدق المشاعر، وبالقدرة على أن يُضيفوا إلى أيامنا طعمًا جديدًا للحياة.

تأمل فيمن حولك:

قد يكون هذا الشخص صديقًا ظهر في وقت محنتك، أو معلمًا أيقظ فيك شغفًا دفينًا، أو زميلًا ابتسم لك يومًا في لحظة انكسار. قد تكون زوجةً كانت لك سندًا حين خذلك الجميع، أو ابنًا جاء إلى عالمك فغيّر مفاهيمك عن العطاء، أو حتى غريبًا التقيت به مرة، فترك فيك ما لم يتركه من عشت معهم عمرًا.

الجميل في هؤلاء الأشخاص أنهم لا يتصنعون البطولة، ولا يدّعون الكمال. هم بشر مثلنا، يخطئون ويصيبون، لكنهم يمتلكون شفافيةً تلمس القلب، وإنسانيةً لا تبحث عن الأضواء. يقدمون لنا من أرواحهم بلا حساب، ويرحلون أحيانًا دون أن نتمكن من قول “شكرًا”، لكن أثرهم يبقى، مثل العطر الذي يعبق بعد مرور صاحبه.

المجتمع، في زمن السرعة والانشغال، يحتاج إلى مثل هذه النماذج. نحتاج إلى إعادة الاعتبار لفكرة “الهدية البشرية” التي لا تُلفّ بورقٍ فاخر، بل تُقدّم بصدق النية، ونقاء الروح. هؤلاء الأشخاص هم صمّام الأمان الأخلاقي لعالمٍ يتآكل إنسانيًا. هم الذين يعيدون لنا الإيمان بأن الخير لا يزال ممكنًا، وأن الطيبة لا تزال تثمر.

في زمنٍ صارت العلاقات فيه تُقاس بالمصلحة، صار وجود مثل هؤلاء الأشخاص نعمة نادرة. فاحرص على أن تعرفهم حين يمرّون في حياتك، ولا تجعل عفويتهم وهدوءهم يخدعك. لا تنتظر أن تخسرهم لتدرك قيمتهم. قف يومًا وتأمل: من هم الهدايا التي أهدتك إياها الحياة؟ وهل كنت بدورك هديةً في حياة أحد؟

لأن أجمل ما قد تكونه في هذا العالم، أن تكون أنت الآخر هديةً تمشي على الأرض. أن تكون النور في عتمة غيرك، واليد التي تُمسك حين تميل الأرواح. فكما نُرزق بهدايا بشرية، يُطلب منا أن نكون نحن بدورنا عطايا للحياة.

ربما لا نستطيع التحكم في قسوة الأيام، لكننا نستطيع أن نختار كيف نكون لبعضنا البعض. فليكن شعارنا: “كن الهدية التي تتمناها في حياتك.”

ولعل الحياة، إن رأت منا هذا الصدق، تُهدي غيرنا بنا

مقالات ذات صلة