أحمد، رجل بسيط، يعيش حياةً هادئة رغم ما مرّ به من صعاب. لم يكن يُفكّر كثيرًا فيما مضى، يتعامل مع الحياة بعفويته، بحكمته، وابتسامته التي لا تفارقه. يمتلك حديقة صغيرة، فيها ورود من كل الأشكال والألوان، يعتني بها كأنها جزء من روحه. يسقيها، يحدّثها، يأنس بها… وهكذا كان يومه يمضي.
لكن شيئًا ما تغيّر ذات يوم.
بينما كان يتجوّل في مكانٍ غريب، لا يعرف إن كان حقيقيًا أم من نسج الخيال، لمح وردة من بعيد. لم يعرف لونها، ولا ملامحها… فقط شعر بها. حاول أن يقترب… لكنها كلّما اقترب، ابتعدت، وكأنها تضع حدودًا خفيّة بينه وبينها.
مع الوقت… تعلّق بها. صار لا يمرّ يومٌ دون أن يذهب لرؤيتها، ولو من بعيد. لا يهمه شكلها، ولا نوعها، ولا اسمها. كان يكفيه أن يشعر بوجودها.
لكن كلما حاول الاقتراب أكثر، اختفت. كأنها تعاقبه على شوقه، فيغدو غيابها أثقل من الحضور.
هي وردةٌ على رأس جبل، وهو رجلٌ في السفح. يحاول الصعود، لكن خطواته تدور في مكانها. كأن الحياة قررت أن تضع بينهما مسافة لا تُختصر.
انتظرها طويلًا. وغابت طويلًا. ثم تعود فجأة، فيخاف أن يسألها عن الغياب، لأنها لا تحبّ من يسأل. يكفيه أن يراها… أن يطمئن عليها… ثم يعود إلى صمته.
مع الأيام، بدأ يشعر بشيءٍ آخر. كأنها تقول له دون أن تنطق: “كيف لك أن تحب وردةً من بعيد، وأنت تملك حديقة مليئة بالزهور؟ أنا وردة من خيال… لا تُسقى من بعيد، ولا تُقطف بالنظرات. أريد من يزرعني في حديقته… لا من يزورني كالغريب.”
أحمد لم يفهم بدايةً، لكنه أدرك في النهاية… أن الوردة على حق.
هي تحتاج من يمنحها حضوره، وقلبه، ووقته، لا من يحبها من بعيد، ويعود إلى عالمه كل مساء.
لقد اختارت أن ترحل، أن تبتعد، أن تنجو من خيالٍ يستهلكها ولا يمنحها حياة.
أما أحمد، فلم يملك سوى الكلام، لكن… ماذا يفعل الكلام حين تغلق الوردة قلبها؟