المقالات والسياسه والادب

محبرة الإخلاص..بقلم: مستشار محمود السنكرى 

محبرة الإخلاص

بقلم: مستشار محمود السنكرى 

في زوايا القلب حيث لا تطأه الرياء وحيث تنام المشاعر على وسادة النقاء، هناك تُولد محبرة الإخلاص، ليست من حبر ولا من ورق بل من دم القلب وعرق الصدق، من جراح التجربة ومن شموع ذابت في عتمة الوفاء.

الإخلاص ليس كلمة تُقال ولا وعدًا يُقطع بل هو حالة وجودية تسكن روح الإنسان حين يكتب، يعمل، يُحب، أو يَهب ، هو أن تعطي دون أن تلتفت، أن تزرع وأنت تعلم أن الثمار قد لا تُنسب إليك، أن تُضيء وأنت تدرك أن الظل لن يعرف اسمك.

في زمنٍ بات التجمُّل فيه هو العملة الرائجة والنية النقية تُعدُّ سذاجة يقف الإخلاص كنبيلٍ غريب لا يُجيد المراوغة ولا يعرف الالتواء ، قد يُتهم بالبلادة وقد يُسخر منه في مجالس المنتفعين لكنه يظل شامخًا كجبلٍ لم ينحنِ لرياح الزيف.

محبرة الإخلاص لا تكتب على الورق فقط بل تترك آثارها في المواقف، في الصمت النبيل، في خدمة لا تُعلن، وفي قلبٍ يدعو بصدقٍ دون أن يُنتظر الشكر ، هي التي تُضفي على الفعل روحه وعلى القول صدقه وتجعل من أبسط الأمور أعظمها شأنًا.

نكتب بالإخلاص لا لنُعجب أحدًا بل لأن الكلمة حين تخرج من محبرة صادقة لا تموت ، تمشي في الطرقات، تسكن العيون وتجد لنفسها بيتًا في كل قلب عرف قيمتها ، نقاتل بالإخلاص لا لنُكسب المعارك بل لأن الهزيمة التي تكسوها النية الطاهرة أشرف من نصرٍ ملوّث بالغش.

في محبرة الإخلاص لا مكان للحبر المزيف ولا للمجاملة المصطنعة ، تكتب بالألم الصادق، بالحب الصامت، بالوفاء الذي لا يُطالب بشهادة ، هي التي جعلت الأنبياء يتحملون مشقة الدعوة وجعلت الأمهات يسهرن دون مقابل وجعلت الشعراء يبكون في الليل دون أن يسمعهم أحد.

كم من كلمات عظيمة سقطت لأنها كُتبت بأيدٍ ملوّنة وكم من همساتٍ خجولة خلّدها التاريخ لأنها وُلدت من رحم الإخلاص.

فطوبى لمن سكن الإخلاص قلبه وجعل منه طريقًا ومبدأً، لا مظهرًا ولا سلعة ، وطوبى لمن جعل محبرته صادقة تنزف صدقًا لا حبرًا وتكتب أثرًا لا مديحًا.

فما أصفى القلب حين يسكبُ حبره في صمتٍ لا يُريد جزاءً…

وما أبهى الروح حين تكتبُ للعالم بخط الإخلاص لا التوقيع…

فهنيئًا لمن عاش وفي يده محبرةُ الإخلاص يخطُّ بها حكاية لا تُنسى… وإن لم يُذكر اسمه يومًا.

مقالات ذات صلة