الكنانة نيوز نافذتك القانونية البلاغات الجنائية

بقلم .البراء مهدى
تُعد البلاغات الجنائية من أهم أدوات المجتمع في مكافحة الجريمة، وهي الوسيلة التي يعبّر بها المواطن عن رغبته في تحقيق العدالة، لكن القانون يميز بدقة بين البلاغ الصادق وإن كان خاليًا من الدليل، وبين البلاغ الكاذب الذي يهدف للإضرار بالغير. هذا التمييز لا يقوم فقط على محتوى البلاغ، بل على نية المبلّغ ومدى صدق اعتقاده فيما بلّغ عنه.
أولًا: البلاغ الصادق ولو لم يقم عليه دليل
البلاغ الصادق هو البلاغ الذي يُقدم فيه الشخص معلومات عن واقعة يرى أنها تشكل جريمة، لكنه قد لا يكون في يده أدلة دامغة لإثباتها، أو قد يتبين لاحقًا أن الواقعة غير صحيحة من حيث التوصيف القانوني أو أنها لم تحدث من الأساس، لكنه وقت الإبلاغ كان صادق النية، ويعتقد بجدية أن ما يبلّغ عنه يمثل مخالفة للقانون.
وهنا يقرر القضاء المصري مبدأ مستقر مفاده أن البلاغ الصادق، متى صدر عن حسن نية، لا يُشكّل جريمة حتى وإن تبين عدم صحة ما ورد فيه. إذ أن أساس الجريمة في هذه الحالة هو “سوء القصد”، وانعدام سوء القصد ينفي الجريمة.
وقد قضت محكمة النقض في هذا الشأن:
“لا جريمة في حق من أبلغ عن واقعة يظن أنها صحيحة، حتى ولو لم يقدم دليلًا عليها، طالما لم يثبت كذبه أو سوء قصده.”
(الطعن رقم 460 لسنة 26 ق – جلسة 12/3/1957)
كما أكدت في حكم آخر:
“المُبلغ الذي يبلغ عن جريمة معتقدًا بوقوعها ومجتهدًا في تقييم ما لديه من وقائع، لا يمكن مساءلته ما لم يثبت تعمد الكذب أو التبليغ الكيدي.”
(الطعن رقم 2041 لسنة 43 ق – جلسة 10/6/1974)
بالتالي، البلاغات التي قد تفتقر إلى الدليل القاطع، لكنها قدمت عن اعتقاد شخصي جاد وصادق، لا تدخل في نطاق العقوبة، بل هي محل حماية قانونية.
ثانيًا: البلاغ الكاذب
أما البلاغ الكاذب، فهو صورة مغايرة تمامًا، ويقع تحت طائلة التجريم المباشر. ويُقصد به تقديم بلاغ إلى إحدى السلطات العامة أو الجهات القضائية، يتضمن إسناد واقعة كاذبة إلى شخص معين، مع علم المبلّغ بكذبها، ووجود نية للإضرار أو الكيد أو الانتقام.
وقد نصت المادة (305) من قانون العقوبات المصري على أن:
“من أخبر بأمر كاذب مع سوء القصد يعاقب بالحبس، وقد يُحكم عليه بالتعويض للمدعى عليه.”
وهنا يتضح أن الركن الأساسي في هذه الجريمة هو العلم بكذب الواقعة وسوء القصد. فالبلاغ لا يكون كاذبًا بمجرد عدم صحة مضمونه، إنما يجب أن يكون المبلّغ متعمدًا الكذب، مدفوعًا بنية الإضرار بالمبلّغ ضده.
وقد استقرت محكمة النقض على أن:
“تتحقق جريمة البلاغ الكاذب متى ثبت أن المُبلغ تعمد اختلاق واقعة كاذبة أو نسب واقعة غير صحيحة لشخص بعينه، وهو يعلم تمامًا أنها غير حقيقية، وكان ذلك بقصد الكيد له أو الإساءة إليه.”
(الطعن رقم 1526 لسنة 45 ق – جلسة 12/4/1976)
وأكدت أيضًا:
“البلاغ الكاذب لا يتحقق إلا إذا كان المبلّغ يعلم علم اليقين أن ما بلّغ عنه غير صحيح، وأن مقصده من وراء البلاغ هو الإضرار بالمُبلّغ ضده، وليس فقط لفت نظر السلطات إلى أمر يظنه خطيرًا.”
(الطعن رقم 986 لسنة 38 ق – جلسة 18/2/1969)
النقطة الجوهرية
يتضح مما سبق أن الفرق بين البلاغ الصادق بلا دليل والبلاغ الكاذب لا يقوم فقط على وجود أدلة أو عدمها، وإنما على القصد الجنائي، أي النية التي دفعت الشخص لتقديم البلاغ.
فإذا كان البلاغ مبنيًا على اعتقاد جدي، ومصدره حسن النية، فلا عقاب على المبلّغ، ولو لم يتوافر له الدليل أو ثبت عدم صحة الوقائع.
أما إذا كان البلاغ مدفوعًا بسوء نية، وتضمن أكاذيب يعلم المبلّغ أنها غير حقيقية، فحينها يقع تحت طائلة العقاب الجنائي والمدني معًا.
ولهذا السبب، لا تتسرع النيابة العامة أو الجهات القضائية في اتهام أي شخص بالبلاغ الكاذب، بل تُجري تحقيقًا دقيقًا لتحديد مدى علم المبلّغ بحقيقة الوقائع، وهل كان مدفوعًا بالإضرار والكيد أم أنه كان صادقًا في بلاغه.
ختامًا
الحق في التبليغ عن الجرائم محفوظ لكل مواطن، لكنه لا يجب أن يتحول إلى أداة للانتقام أو الضغط على الغير، لأن القانون يحمي الكرامات كما يحمي الأمن. والنية تظل دائمًا هي الفيصل الحقيقي بين الجريمة والمشروعية.



