المقالات والسياسه والادب

كأننا الزيف وكأنهم الحقيقة وعقل يرتدي قناعا في ممر الخديعة الحادي والعشرين بقلم محمد جابر

كاتب صحفي
في الممر الحادي والعشرين لم تعد التفاصيل تشير إلى أزمة معيشية خالصة فحسب بل تكشف عن مشهد رمزي أكثر اتساعا حيث تتداخل أبعاد السياسة بالثقافة والتعليم بالاقتصاد وتمتزج فيه ملامح الدبلوماسية بأنماط الخداع الاجتماعي هنا لا يصرخ الجوع بل يصرخ العقل من هول ما يستوعبه من صور على الجدران وعبارات محفورة بدهاء لتفضح ما تخفيه الطاولة الرسمية من تمثيليات إن كنت ما زلت تحمل جزءا من وعي
فأهلا بك في هذا الممر لا يعلو أنين الجيوب كما في سابقه بل يعرض المشهد المسرحي المنظم بإتقان نفس الوجوه نفس الأشخاص لكن في مواقع مختلفة في الصورة السياسية حاضرون في المشهد الثقافي بارزون وفي الملفات الاقتصادية مقررون وفي الواجهات الرياضية متصدرون وعلى شاشات الفضائيات يتحدثون ظاهرة تعدد الأدوار ليست دلالة على الكفاءة بل إشارة إلى احتكار المجال العام وتحويله إلى فضاء مغلق لا يسمح بدخول الغرباء في هذا الممر ولقد ولجت خلسة
وها أنا أسير مع المارة في الممر الحادي والعشرين فهم لا يمرون عبثا بل يتفاعلون مع تلك الصور بعضهم يقرأها ببرود وآخرون يتأملونها بحسرة وقليلون يجرؤون على التساؤل أحدهم لمحته يهمس لنفسه متسائلا بصوت خافت هل يشعر الآخرون بما أشعر وجاءه الرد سريعا من غريب مر بجانبه الفهمان تعبان واللي مش عارف مسيره بكره يعرف
ذلك الحوار العابر لم يكن بلا دلالة بل كان انعكاسا لوعي طبقي مشوه وإحساس جماعي مشترك بأن ما يعرض في العلن لا يشبه الحقيقة المواطن العادي لم يعد يثق ولم يعد يرى مسؤولا غير القيادة السياسية وحدها وهنا فقد المصداقية فيما يتنفسه لأنه يعرف جيدا أن من يديرون المشهد لا يتكلمون بلسانه بل يتحدثون عنه.فربما نيابة عنه أو ضده في أغلب الأحيان خصوصا في الغرف المغلقة
والأدهى من كل ذلك أن المشهد لا يخلو من التواطؤ فسألت احد من يدير بعض الأمور في جوانب الممر ما تفعل أجاب بسخرية شديدة هما عاملين نفسهم بيقبضونا وإحنا عاملين نفسنا بنشتغل جملة تختزل أزمة عميقة غياب المعنى الحقيقي للمسؤولية من جهة وغياب الفعل المجتمعي الحقيقي من جهة أخرى الجميع يؤدي دورا لكن لا أحد يمارس الحقيقة إنها حالة من التمثيل المتبادل بين السلطة والمجتمع بين المؤسسات والجمهور بين الصورة والواقع وأصبحنا كأن نعم كأن ونأن إلى أن وصل بنا الحال وأصبحنا كأننا نعيش
وكأن الممر الحادي والعشرين لا يحتوي فقط على صور بل على أرشيف زمني لفشل مستمر يعادي التجديد ويقاوم أي تغيير حقيقي
ووسط هذا الزيف الجماعي تغيب الأسئلة الحقيقية لا أحد يسأل عن الإصلاح الهيكلي عن العدالة الاجتماعية عن توزيع السلطة والثروة بل تطرح أسئلة بديلة وتتحول السياسة إلى مشهد استهلاكي لا علاقة له بممارسة الحق بل بإشباع الحاجات المؤقتة وهنا تكمن الاجابات حيث يصبح تمثيل الفقير في صورة أو مؤتمر بديلا عن إشراكه في القرار وتغدو صورة السياسي المثقف أو الرياضي المبتسم أو الاقتصادي المتحدث باسم الأرقام غطاء لواقع لا يعبأ بهموم البسطاء بل يحقنهم بسموم تتجدد جرعاتها والترياق يقتصر على من تختاره النخبة ليكون إلى جوار الصفوة
الممر الحادي والعشرون ليس ممرا للعبور بل فضاء للتأمل المؤلم إنه معرض للتمثيل الجماعي الذي يدار فيه المشهد كأنه عرض ترويجي بلا واقع حين تسود الصور وتستبدل الحقيقة بالتمثيل فإننا نكون أمام أزمة شرعية عميقة لا أحد يصدق ولا أحد يحاسب ولا أحد يتغير
وصلت إلى نهاية الممر الحادي والعشرين ولا نملك إلا أن نعيد صياغة السؤال القديم متى يصبح الفعل بديلا عن التمثيل ومتى تستبدل الصور بالسياسات والشعارات بالقرارات والمسرح بالحقيقة
تلك الأسئلة كانت حال لسان الناس بالممر ولا نملك إجابة ولكن نملك أن نقول إن استمرار هذا المشهد المتكرر لا يعني سوى شيء واحد أننا نعيش على التجميل لا على التحسين وعلى الترويج لا على الإنجاز وعلى القمع الرمزي لا على الإقناع الواقعي إن أي حديث عن التنمية دون مساءلة وعن التغيير دون تفكيك المنظومة القائمة ليس سوى لغو سياسي يتغذى على السذاجة الشعبية والمكياج الإعلامي
لم نعد بحاجة إلى صور تبتسم فالوهن اصاب النخاع بل إلى سياسات تنقذ ولم نعد نرغب في خطابات تمثلنا بل في قرارات تصنع واقعنا تعدل من جميع أوضاعنا وإن لم يحدث ذلك فإننا سنظل ندور في الممر ذاته نستنشق الزيف نفسه وننتظر معجزة لن تأتي….والي أن تأتي فإلي الممر الثاني والعشرين
قد تكون صورة ‏شخص واحد‏

مقالات ذات صلة