المقالات والسياسه والادب
تعليم الفقر وتفريخ الأمية واستنساخ الضياع في الممر الثاني والعشرين

بقلم محمد جابر
كاتب صحفي
تصرخ التفاصيل من عبء تراكمات مزمنة وأزمات تحولت من استثناء إلى قاعدة وها نحن نلج إلى الممر الثاني والعشرين لا كزائرين بل كمن يعيشون تحت سقف نظام يعيد إنتاج نفسه دون مراجعة ويدعي التطوير بينما يرسخ الانهيار في مراحل التعليم المختلفة
في هذا الممر لم يعد المعلم مربيا للأجيال بل موظفا فقيرا يلاحقه العجز قبل نهاية كل شهر راتبه مهما تلطفنا في وصفه لا يليق لا بمهنته ولا بدوره ولا حتى بإنسانيته يقولون له أنت أساس البناء ثم يتركونه بلا طعام كاف ولا تقدير ولا حماية وعندما يطالب بحقه يتهم بأنه يخل برسالة التعليم النبيلة اي نبيلة تلك القائمة علي التسول
من جيوب أولياء الأمور
سألني معلم قابع في الممر وهو يطالع كشف راتبه المتهالك هل تتوقع ممن لا يستطيع إطعام أطفاله أن يزرع الأمل في عقول أطفال الآخرين اعتصرتني مشاعر مختلفة خوف قلق رعب وراودني شعور للحظات أنه مريض نفسي وبتدبر ما قاله
نعم لدية الحق
ولكن وبكل بساطة في غياب العدل تحول التعليم إلى وظيفة متعبة لا رسالة سامية وإلى عبء على المعلم بدلا من أن يكون أداة للتحرر والتقدم
ومن الجيب المثقوب إلى الفصل الفارغ ومنه إلى اللاشيء أو إلى المليء ظاهريا فقط
الدروس الخصوصية لم تعد ظاهرة هامشية بل أصبحت النظام الحقيقي حيث تشرح المناهج بصدق في المراكز وتكرر بلا روح داخل المدرسة الأسرة تنفق من دخلها المتهالك لتشتري ما يفترض أن يكون حقا مجانيا والمعلم يضطر إلى إعطاء الدروس خارج الدوام كي ينجو لأن الدولة تركته وحيدا في مواجهة فواتير الحياة
التلميذ لم يعد يرى المدرسة كمكان للتعلم بل كموعد للقاء أقرانه أو للحضور الإجباري والعقل لم يعد يستيقظ داخل الفصل بل يتسرب من بين جدرانه
وعلى مقربة ليست بالبعيدة من هذا الممر ترفع لافتات لمدارس خاصة تحمل أسماء دول كبرى وشعارات باذخة عن التميز والتعليم العالمي لكن حين تسأل عن الرسوم تكتشف أن التميز صار امتيازا طبقيا لا حقا عاما المدارس الخاصة أصبحت ملاذا للطبقة القادرة
المفارقة أن كثيرا من هذه المدارس لا تقدم بالضرورة تعليما أفضل بل مجرد واجهة اجتماعية وهروبا من فشل المدرسة الحكومية وهكذا تتحول العدالة التعليمية إلى وهم ويتحول التعليم من وسيلة للتقريب بين الفوارق إلى أداة لإعادة إنتاجها
الجامعات الحكومية تئن من الاكتظاظ والإهمال وأساتذتها يعملون في ظروف لا تليق ومعاملها أشبه بمخازن قديمة أما الجامعات الخاصة فهي بوابات تجارية للعلم يدخلها من يملك لا من يستحق المصروفات خيالية والإعلانات براقة لكن المحتوى لا يواكب الواقع ولا يربط الطالب بسوق العمل ولا يصنع عقلا نقديا قادرا على التغيير
أما الجامعات الأهلية والتي بشر بها الناس كحل عادل وسط بين الحكومي والخاص فقد جاءت خالية من المضمون تسير على خطى الجامعات الخاصة برسوم مرتفعة ومقاعد لابناء القادرين لا المتميزين
إن التعليم في الممر الثاني والعشرين لم يعد وسيلة للترقي الاجتماعي بل أصبح الفجوة الطبقية العميقة
الطالب الفقير يبدأ مشواره متأخرا بخطوات لا يمكن تعويضها والمعلم الجيد يهرب إلى الدروس أو يسافر بحثا عن احترام والأسرة البسيطة تنهار تحت عبء المصروفات بينما تتزين المؤسسات بالأرقام ويباع الوهم في مؤتمرات الصخب
السؤال البسيط المؤلم هو من يتعلم اليوم حقا ومن يملك القدرة على الحلم ومن يجرؤ أن يصدق أن باب المستقبل مفتوح للجميع
لقد فقدنا الثقة في كل شيء في المناهج في الامتحانات في المعايير في العدالة وصارت الشهادات مجرد أوراق لا تصنع فرصة ولا تفتح بابا بل تؤكد حجم الفشل وتغلفه بغلاف رسمي ومن لم يعي ذلك فواهن عقلة
في الممر الثاني والعشرين التعليم لا يخرج أجيالا بل يعيد إنتاج دورة البؤس معلم فقير طالب مشوش نظام متآكل وخطاب يتحدث عن التحول الرقمي في مدارس مهترئة
إن التعليم ليس رفاهية بل هو قلب الدولة النابض وإذا توقف هذا القلب عن العمل فلا تنتظروا حياة
إذا أردنا مخرجا فلنبدأ من المعلم ونعيده إلى مكانته فلنراجع فلسفة التعليم برمتها ونفكك المنظومة التي تميز بالأموال لا بالكفاءة ولنؤمن أخيرا أن التعليم ليس حقلا للتجارب ولا مزرعة للاستثمار بل هو المعركة الأولى في أي مشروع نهضوي حقيقي
وإن لم نفعل فمرحبا بكم في الممر الثالث والعشرين حيث نكتب المقال ذاته ونستنشق الزيف ذاته وننتظر المعجزة ذاتها التي لا تأتي فإلى هناك



