المقالات والسياسه والادب

جدلية الإنسان بين الطموح والضرورة بقلم: مستشار محمود السنكري

جدلية الإنسان بين الطموح والضرورة

بقلم: مستشار محمود السنكري

منذ أن يُولد الإنسان تنبض في داخله بذرة حلم، نواة صغيرة تنمو مع الأيام لتصير طموحاً يتخطّى حدود البقاء البسيط ، فالإنسان ليس كائناً يرضى بالاكتفاء بالخبز والماء، بل هو روح تتطلّع لأن تترك بصمة في سجل الوجود وكأنّ فطرته تُلحّ عليه أن يتجاوز الضرورة ويعانق الأفق الرحب للمعنى.

لكن الحياة ليست مسرحاً مفتوحاً للرغبات ولا طريقاً مفروشاً بالأماني. هناك قيد صامت اسمه الضرورة يقف في وجه الطموح كما يقف الجبل أمام النهر. هي الخبز الذي لا غنى عنه، والماء الذي يروي العطش، والعمل الذي يؤمّن لقمة العيش ، الضرورة هي الحاجز الذي يحدّد خطواتنا ويذكّرنا بأننا أبناء عالم مادي لا يُفتح بابه إلا بمفاتيح الحاجة.

وهنا تتولّد الجدلية:

هل ينحني الإنسان أمام الضرورة فيخسر طموحه؟

أم يتمرد في سبيل طموحه متجاهلا الضرورة ليكتشف متأخراً أنه لا يستطيع أن يزهر في صحراء العوز؟

فالطموح يرفع الإنسان إلى مقام الكواكب لكنه بلا جذور يذبل، والضرورة تُبقيه حيّاً متماسكاً لكنها إن استبدّت به تحوّله إلى آلة تدور بلا معنى ، فكيف يتحقق التوازن بينهما؟

لقد علّمتنا التجارب أن الطموح لا يتحقق إلا عبر الضرورة، وأن الضرورة نفسها يمكن أن تتحوّل إلى سلّم يرتقي به المرء نحو قمم الغايات ، فالعالِم الذي يحترق في مختبره إنما بدأ رحلته من ضرورة الاكتشاف، والفنّان الذي يرسم وجوه البشر حملته الحاجة إلى التعبير قبل أن تعانقه الشهرة ، الطموح لا يلغي الضرورة بل يسمو بها، والضرورة لا تخمد الطموح بل تحوّله إلى مشروع واقعي.

إن أعظم ما يملكه الإنسان هو قدرته على تحويل الضرورة إلى نقطة انطلاق والطموح إلى بوصلة ترشده بين الاثنين تتشكل إنسانيته وتتضح ملامح تفرّده ، فمن انحنى تماماً للضرورة عاش أسيراً في دائرة المألوف، ومن اندفع بلا حساب وراء الطموح عاش تائهاً في سراب الأحلام، أمّا من جمع بينهما فقد اقترب من الحكمة التي تجعل من وجوده رحلة متوازنة تتغذى من الأرض وتطلّ على السماء.

وهكذا تبقى جدلية الإنسان بين الطموح والضرورة حكاية مفتوحة على الأبد، حكاية كائن لا يكتفي بأن يعيش بل يصرّ أن يعيش بالمعنى.

ما بين رغيف يسدّ الجوع وحلم يضيء الدروب يمضي الإنسان كراقص على حبل مشدود بين الأرض والسماء. فإذا أحسن الخطو صارت الضرورة جناحاً يحمله والطموح نجمة تهديه، وحينئذٍ تكتمل إنسانيته ويكتب وجوده بمداد الخلود.

مقالات ذات صلة