المقالات والسياسه والادب
براءتكم أكبر أكذوبة

الكاتب : إدريس أبورزق / المغرب
براءتكم أكبر أكذوبة
أنتم لا تُولدون أنقياء كما تزعمون… أنتم تولدون جائعين. جوعكم ليس للطعام وحده، بل للامتلاك، للتسلّط، وللانتصار على الآخر. ثم تُلبسون هذا الجوع قناعًا أبيض وتسمّونه: براءة.
براءتكم لم تمنع طفلًا من البكاء حين خسر لعبته، ولم تمنع صديقًا من أن يحترق غيرةً بنجاح غيره، ولم تمنع عاشقًا من أن يتمنى سقوط منافسه. أيّ براءةٍ هذه التي تنهار عند أول امتحان صغير للرغبة؟
إنكم تحبّون أن تصوّروا أنفسكم ملائكة ناصعين، لكنني أراكم تتستّرون بلباس الطهر لتخفوا تحته نواياكم السوداء. قلوبكم ليست بيضاء كما تدّعون، بل خليط من الظلام والنور، من الطمع والخوف، من الحبّ الملتبس بالأنانية.
تتحدّثون عن النقاء كأنه حصن يحميكم، لكنني أراه قناعًا هشًّا يتفتّت عند أول لمسة. أنتم لستم طاهرين… أنتم بارعون في التمثيل، في إقناع أنفسكم أن رغباتكم ليست رغبات، أن شهواتكم ليست شهوات، أن غضبكم ليس غضبًا.
تقولون: “نحن أبرياء.”
وأنا أقول: أنتم جبناء.
جبناء من مواجهة حقيقتكم، جبناء من الاعتراف أن كل واحد فيكم يخفي وحشًا صغيرًا داخله، يتغذّى على الحسد، ينتشي بالانتقام، ويقتات على ألم الآخر.
براءتكم أكبر أكذوبة… تكذبونها كل صباح حتى تصدّقوها. لكن الليل يعرفكم. الليل لا يكذب. ففي صمت وسادتكم، في عتمة غرفكم، في أحلامكم السرّية… هناك تسقط الأقنعة. هناك تعودون إلى صوركم الحقيقية: بشرٌ يتصارعون مع أنفسهم، يلهثون بين النور والظلام، يتخبّطون بين الفضيلة والخطيئة.



