صكوك الولاء وبلاغة الصدادة وانغام الفزاعة ترسم خريطة التيه السياسي بالممر الثلاثين

صكوك الولاء وبلاغة الصدادة وانغام الفزاعة ترسم خريطة التيه السياسي بالممر الثلاثين
بقلم محمد جابر… كاتب صحفي
دخلت الممر الثلاثين بخطى أثقلها ما حملته من الممرات السابقة وأعين المارة كانت شاردة كأنها تبحث عن وجه لا يأتي أو جواب لا يمنح لافتات تتدلى من السقف بلا مضمون مكبرات تصرخ بوعود قديمة ووجوه مستنسخة من زمن الإنكار
لم يطل بي السير حتى قاطعني صوت ساخر لرجل بدا عليه الضيق والخذلان نتابع ممراتك يا سيدي لكنها لا تجلب إلا الوجع لا حل فيها ولا أمل مجرد بكائيات بطلاء جديد هنا استوقفني تساؤله فجلست إلى جواره وقلت له ربما هي ليست بكائيات بل محاولات لفهم ما لا يفهم الأزمة ليست في الكتابة بل في الواقع الذي لا يمنح فرصة لكتابة حل وليست في السياسات بل في تطبيقها
رد واعتدل في جلسته نحن لا نعيش أزمة سياسة فقط بل أزمة وعي غائب ومؤسسات مغيبة ومجتمع تائه وتأليه أفراد وبين شعارات مفرغة وواقع لا يرحم نحن على حافة إنكار وانهيار لا عتبة تحول ولا مفسح لحلول قلت له تعال لنر الواقع في هذا الممر لعلنا نكتب شيئا لا يخون المعنى ومضينا إلى مدخل الممر وقف رجل ضخم الجثة لا يبتسم عيناه لا ترمش وصدره ممتد كدرع أوقفنا بصوته الجهوري
لا تمروا إلا بإذن الصدادة تراجعت خطوة للوراء فصاح أنا من أقرر من يتحدث ومن يصمت من يمر ومن يعاد للظل وأعرف من ابتاع بسوق النخاسة ومن يصطنع الهوية أنا الحارس باسم الديمقراطية وباسم المصلحة الوطنية
همست لصديقي هذا ليس شخصا بل هو منظومة متكاملة من القمع لبست قناع الوطنية وأغلقت به الأفواه إنه الخوف وقد صار منصبا فوق رؤوس كل الجبناء أما نحن يا صديقي فلنا الله
في منتصف الممر جلست امرأة متأهبة تراقب وتهمس اقتربت منها وسألتها من أنت قالت أنا الفزاعة لا أحذر بل أخيف لا أطرد الحشرات بل أطرد الأسئلة أرتدي زي التحليل الاستراتيجي لكني لا أقترب من أصل المشكلة نعتلي كل المنصات وأنا الإعلام حين يُشترى ليغسل العقول والخطاب حين يُفصل ليضللها والتحليل حين يُؤمر ليغلفها
قلت أنت تخنقين الحقيقة لا تنذرين بها ردت بهدوء أنا لا أنطق أنا ألوح بالموت أحيانا وبالعار أحيانا أخرى وبأمور أخرى تكمن في تفاصيل الممرات
في الزاوية اليسرى كانت امرأة تقرأ كتابا عتيقا اقتربت منها فقالت بثقة أنا المثقفة أو ما تبقى من النخبة سألتها وهل لك دور اليوم أغلقت الكتاب وقالت نتحدث عن التنوير والزيغ عن الوعي والانسياق الجمعي عن الهوية والهوي عن الثورة عن الحرية عن الديمقراطية لكن لا أحد يستمع الكل غارق في الاستهلاك في المواءمة في الضجيج في اللاشيء أحيانا ونحن في برجنا العاجي ننتظر لكن لا أحد ينظر إلينا قلت بأسى هل أخطأ المثقف الطريق قالت بل المجتمع هو من أغلق الأبواب فأحكم غلقها من يدرك أنها خطرا يداهمه
مر بنا رجل أنيق يحمل حقيبة ونظارة بادرنا قائلا أنا الدكتور سألته دكتور في ماذا قال بثقة في كل شيء تابعته لاحقا يتحدث في السياسة والاقتصاد والدين وكرة القدم والأعشاب وتعديل السلوك وأهمية البرلمان القادم وإيجابيات دور قصور الثقافة ونظافة الممرات يبرر كل شيء ويفتي في كل شيء فقلت لنفسي هذا ليس دكتورا بل عنوان مرحلة آتية تُمنح فيها الألقاب لمن يجيد التلون لا التخصص حتى وإن لم ينل من العلم شيئا طالما يمتلك الطبلة
في نهاية الممر وقف رجل على منصة خشبية عليها شعار مهيب يخطب بحماسة الديمقراطية خيارنا العدالة هدفنا التنمية وعدنا وأنتم حلمنا لكن حين سقطت منه ورقة صغيرة التقطتها فإذا مكتوب عليها لا صوت يعلو فوق صوت التمويل السياسي المؤدلج نظرت إليه فوجدته يتقمص كل خطاب حسب المرحلة ثوري حين يحتاج الجماهير ومستقر حين يجلس على الكرسي وهادئ حين يُحاسب وصاخب حين يُخالف وهذا على مرأى ومسمع لكل من بالممر والممرات المحيطة نماذج عبثية
قلت لصديقي نحن في ممر الكأن كأننا ننتخب بحرية كأن البرلمان يمثلنا كأننا نحاسب ونحاسب الحقيقة بالحقيقة نحن لا نختار بل يُختار نيابة عنا ثم يُطلب منا التصفيق وهناك من يُطبل عنا ويقبع من يؤولون عنا وعنهم أنهم هؤلاء
وقبل أن أغادر الممر عاد صديقي ليسألني هل من خلاص أجبته ربما حين يصبح السؤال أداة معرفة لا خيانة وحين ندرك أن الوعي ليس رفاهية بل مقاومة وأن الصوت الذي لا يُباع هو أول أبواب التغيير
وغادرت الممر الثلاثين لكن الممرات لا تنتهي والمساءلة لا تُغلق فإلى اللقاء في الممر الحادي والثلاثيين



