المقالات والسياسه والادب

القيد

القــــيــد

 

بقلم سليمة مالكي

نـــــور القــــــمر

 

كان أول يوم عمل لي ، وكم كنت كارهة للمكان ،لولا حاجتي المادية وصعوبة الحياة ماكنت قبلت ،لكن ماباليد حيلة ، عملي كان ممرضة بدار للعجزة ، طبعا هم ليسوا عاجزين ولا مُقَصِرِين ،بل أكملوا واجباتهم على أكمل وجه ، ولكن قسوة وجفاء فلذات أكبادهم جعلت النهاية بهذه البشاعة ،ولا مرة تفَهَمت فكرة أن يرمي الأبناء أباءهم وأمهاتهم بمكان كهذا ! بدأت عملي متثاقلة ،مررت بغرف النزيلات لتفَقُد أحوالهم ،كانت ملامح الحزن والقهر تتقاسمها كل الوجوه ومع ذلك استقبلوني بحب وطيبة وعطاء فائض ، بآخر جولتي طلبت منِّي المديرة تفقُد السيدة ” حياة ”

كانت غرفتها في آخر الرواق وهي أصغر غرفة بالدار ،بها سرير و طاولة صغيرة ،لفت نظري نظافة وترتيب الغرفة ورائحتها التي كانت تفوح بعبق الورود ، طرقت الباب ودخلت لألقي التحية ليقابلني صمت جبار ، كانت السيدة “حياة” تجلس بهدوء على سريرها المُرتب بعناية وتنظر الى الخارج من النافذة ، طلبت منها برفق أن تسمح لي بتفقد ضغطها ونسبة السكر بالدم الفحوص العادية و الروتينية بالدار ،ناولتني يدها بصمت وهدوء لأستغل الفرصة ،وأتفحص ملامح وجهها ، سيدة ستينية بملامح أنيقة ، كان واضحا أنها كانت سيدة جميلة جدا ومثقفة فقد كانت تضع كتابا بجانبها ، طريقة. لبسها وربطها لشعرها الذي تَزَّيَن بالرمادي زادها وقارـا ورقيًا ،ولمحت حزنا دفينا وابتسامة غريبة كأنها ابتسامة سخرية من شيء ما ،أحسست بشيءغريب تجاه هذه السيدة ولا أدري ما الذي جعلني أتذكر والدتي التي فقدتها من مدة قصيرة ممكن هو ذات الهدوء ،ففاضت دموعي دون أن أشعر ، لتفاجئني السيدة حياة بنظراتها و لكنها لم تستغرب تصرفي بل بحنو كبير وعطف مسحت دموعي ومسحت على رأسي كأنها تعرف لما بكيت ….

كان هذا أول عهدي بالسيدة “حياة “وأظن أنها كانت بداية الحكاية .

توالت أيام العمل بدار العجزة ،وتوالت القصص التي يندى لها الجبين ،كنت بعد انتهاء دورتي أذهب لغرفة السيدة “حياة “، آخد لها كتبا ، مجلات، وأجلس لأنهي عملي بملأ دفاتر المستشفى

من دون كلام ،كأن هناك رابطا روحيا يجعلني أرتاح فقط بالتواجد بالقرب منها ، أخبروني أنها هي من جاءت الى الدار بملىء ارادتها ،وهي لم تكن أمًا أبدا ،بعد وفاة زوجها طردها صاحب البيت ولم تجد مكانا آخر ، و علمتُ أنها ليست فاقدة للنطق

بل كان اختيارها ورغبتها بأن لا تكلم أحدا .

احترمت رغبتها ولم أكن أوجه لها حديثا أبدا ،بل أجلس بهدوء برفقتها فقط هي تقرأ ، أو تكتب ،أنا أكمل عملي أحيانا نشاهد فيلما معًا ،وأحْضِر لها أمورا بسيطة من الخارج أكل من بيتي حلوى ، كتب …..

تَعَلَقْتُ بالسيدة الصامتة جدًا وأحببتها وأظنها اعتادت وجودي

نجحت باخراجها للحديقة مرة للمشي قليلا ، وبدأت تتجاوب معي تدريجيا ،الى أن مرضت يومـا ، كانت شاحبة ، ووجهها متعب ومرهق ، لينزل ضغطها ونسبة السكر عندها وتفقد الوعي ، أخدناها لعيادة الدار للعلاج ، بقيت معها كل الليل رغم أن مناوبتي انتهت ،لم أشعر الاَّ ويدها على رأسي بحنان وأنا نائمة على كرسي بجانب سريرها … تحسنت “”حياة”” وعادت الى غرفتها وروتينها العادي ، لتفاجئني مرة ونحن جالستين بهدوء كعادتنا بالحديث ……

فقالت لي .

* هل تريدين أن تسمعي قصتي …؟

بقيت من الدهشة صامتة ، أفكر

بجمال صوتها ونبرتها الهادئة ،لأقول

 

**وأخيرا قررت أن تكلميني.. !

 

ضحكت وقالت

 

*إن كنت غير مهمة لا بأس!!!

 

**لا طبعا… لا مهتمة وجدًا جدـا وطبعـا سعيدة !أقصد لا يهم قصتك المهم أن نتكلم أقصد . ..

بلى يهم ولكن …. !!

 

لتقاطعني

 

*اهدئي فهمت لا تبرري .

 

*اجلسي وسأحكي لك حكايتي ولا تقاطعيني رجاءًا .

 

لتجلس حياة على طرف سريرها تماما كما رأيتها أول مرة وأجلس مقابلها مباشرة وضوء مصباح جانبي ينعكس على ملامح وجهها ايذانًا بليلة طويلة ومميزة .

 

*سأبدا لك الحكاية من البداية ،كان يوم تخرجي أول فرحة لوالدي لم يكن يوما عاديا ،تخرجت من جامعة مرموقة وكنت الأولى على دفعتي بل وأول فتاة تنهي دراسات عليا بكل العائلة ،لمحت فرحة وفخر أبي وأمي وكان تلك سعادة بالغة جدا وفي هذا اليوم حدث أمر آخر لم يكن عاديا….

 

بنهاية الحفلة وأنا أهم بمغادرة الجامعة أجد نفسي أقف وجها لوجه مع أستاذي بالجامعة شخص أكن له كل الإحترام والتقدير وكان داعما لي طيلة دراستي أفاجَئُ به

معلنا حبه الكبير وولعه بي كل تلك السنوات وأخبرني أنه من حرصه عليَّ ،حبس كل مشاعره ولم يُظْهِر لي شيئا منتظرا هذه اللحظة ، ليرمي لي بكل أحاسيسه وعذاباته طيلة مدة دراستي ، وأنا التي لم أشعر بشيء كل ما كان يهمني الوصول الى حلمي ، كان هذا الاعتراف مفاجئة لم أتوقعها خاصة أن الدكتور ((إياد)) كان حلم كل الطالبات لوسامته وشخصيته القوية

كان هذا كالحلم ، ومرت الأمور بسرعة لأجده ببيتنا خاطبا مع عائلته ، وطبعا كان زوجا مناسبا جدا وكاملا محب ،حريص ، كريم ، بل وكان يخطط لمستقبلي وخطواتي القادمة أفضل مما قد أفعل أنا ، وفعلا تمت الخطوبة

وبدأنا نتَجهز للزواج ، تدَّبر لي منصب كأستاذة مساعدة بالجامعة معه ، ومرت الأمور كلها كالحلم ، وبدأنا نخطط للمستقبل معا ، أخدنا شقة صغيرة وبدأنا بتجهيزها ،وتم الزواج ، وكان نعم الزوج والرفيق والصديق ، لم أكن لأحلم بحب كهذا بحياتي كلها ، الى أن صدمتنا الحياة بأول صفعاتها القوية ،اكتشفت بعد زيارتي لطبيبة مختصة أنني عاقر لا يمكنني الانجاب ، كانت صدمة زلزلت كياني كله ،كدت أُجَن زرت طبيب ثاني وتالث ورابع ،وحللت وكشفت ،وجربت كل الطرق لأصطدم بنفس النتيجة امكانية الحمل مستحيلة تماما لأنهار وأبكي وأكتئب لأيام وشهور ، و”اياد” كان الزوج والرفيق تحمَّلني أنا وجنوني ، واستوعب كل ردّات فعلي وبعد الهدوء بدأت أفكر ،طلبت منه أن ننفصل ويعيد حياته من جديد لكنه رفض باستماتة بل وغضب منِّي

ومن أنني فكرت بالتخلي عنه بهذه السهولة ، وطلبت منه أن نربي طفلا ،هناك يتامى محرومين من العاطفة ورفض رفضا قطعيا هذه الفكرة ،وبالنهاية اقترحت أصعب فكرة عليَّ و طلبت منه أن يتزوج هذا حقه لكن ردة فعله كانت قوية جدا ، حتى أني أحسست أني جرحته فهو اكتفى بي حبيبته

وابنته وصديقته قال أني أكفيه و ليس بحاجة الى أن يكون أبــًا ليكتمل ..

 

استسلمت لهذا القدر وحرصت أن أعوضه على هذه التضحية الكبيرة وعاهدت نفسي أن أجعله ملكا مُتَوَجًا بحياتي ، كنت خير سند له وتفرغت لخدمته وارتقى بعمله الى أن وصل وحقق كل طموحاته ، تحسنت حالتنا المادية جدا ،اشترينا بيتا كبيرا ، من ثلات طوابق ،طابق أرضي كانت فيه محلات تجارية ، وطابق أول جهزناه كشقة للكراء و الطابق الثاني كان بيتنا الذي عشنا فيه و استأجَرَتْ بعد انتقالنا مباشرة بالطابق الأول سيدة أرملة مع أبناءها اليتامى كانت سيدة بغاية الرقي والطيبة والاحترام .

و البيت الكبير كان استثمارا ناجحا

يوفر دخلا ماديا جيدا ، إضافة الى رواتبنا بالجامعة ، استمرت حياتي مع شريك العمر

بحب واستقرار وسعادة كانت تشبه الحلم ليفاجئني القدر بسكتة قلبية مباغتة وخطفه الموت منِّي دون اندار …..حبيبي وشريك عمري ،كانت صدمة فراقه كبيرة زلزلت كياني وحطَّمتني ،لم أستوعب بالبداية ،انهرت وبكيته بحرقة وصل بي الأمر الى حافة الجنون ، ولولا ايماني ورجوعي الى يقين أن هذا قضاء الله وعليَّ تقبله ما كنت نجوت …

بدأت أعود للحياة شيئا فشيء ، وفي صباح يوم خرجت

لأول مرة لقضاء بعض الأمور و التسوق ، ومررت على جارتي بالطابق الأول سلمت عليها وعلى

أولادها وعدت الى شقتي .

 

باليوم التالي سمعت جرس الباب لأفتح وأجد الشرطة ومعهم محضر من المحكمة جاء ليُسَلِمَ لي تبليغ من العدالة يطلبون منِّي اخلاء المنزل ، أنا بكل راحة وبرود عرفت أن الموضوع فيه خطأ فالبيت بيتي

لكن المُحضر القانوني سلَّمني

التبليغ بالأخلاء صادر ومختوم من المحكمة وقال أن صاحبة البيت والتي هي زوجة المرحوم كانت صبورة جدا وتركتني طيلة هذه المدة مراعاة منها لضروف حزني ،ولكنها تطلب منك الآن المغادرة فورًا وإخلاء المكان ،لتقع عيني على اسم صاحبة البيت والوريثة والوصية على أبناء زوجي والتي لم تكن سوى المستأجرة المقيمة بالطابق الأول …!

لأرفع رأسي وأجدها واقفة أمامي وقالت لي بالحرف الواحد وبثقة

أنها كانت تُنَفِذ وصية الفقيد وبأنها كانت تنتظر أن أعود لحالتي الطبيعية لتُخْرِجَنِي من البيت كما طلب منها زوجها المرحوم ،أخذت التبليغ بالأخلاء ودخلت الشقة وأغلقت الباب وجلست …..

رأسي لم يستوعب وبدأت أبحث عن تسمية لهذا الذي حدث ،وانتابتني نوبة ضحك هستيرية …..!

خطر لي أن روحي كان ذكيًا جدا لدرجة الدهاء أو الخباثة أو ممكن كانت هذه هي الصفقة ؟!

كيف صبرت هي وتحملت البقاء بالظل مقابل ؟!

هذا هو التفسير الوحيد !

ممكن ..؟!

لا بل أكيد .. !

وعُدْتُ لأفكر ماكان كل ذلك هل كان حبًا ؟!

لا لم يكن حبًا !

ماكان كل ذلك ؟!

كذبة كبيرة استمرت لسنوات

لكن لماذا …؟!

ضحكت على غبائي وعدت لأبكي

ثم أفكر أطرح الأسئلة وأحاول الإجابة لماذا وكيف ؟!

ولمَ كل هذا حصل ؟!

وللحظة فكرت أن كل هذا مضيعة للوقت ، نظرت لقرار الاخلاء تذكرت والداي لو أنهما على قيد الحياة لكنت لجأت إليهما ،اخوتي كل له حياته والتزاماته لن أحمِّلَهم عبئي ،كانت دار العجزة هي الحل الذي وجدته مناسبا …

 

قد تتساءلين أعرف …؟

 

هل ذهبت إليها ؟

هل لُمْتِهَا ؟

سألتِهَا لمَ فعلاَ بي ذلك ؟

طبعا لا ….

الأجوبة كلها عندي …؟

هنا لم أتحمل وكان يجب أن أسألها

 

**أجوبة ماذا لا يوجد أي مبرر بالدنيا يشرح مافعله إلاَّ أنه خائن وعديم المروءة … و و ……

 

لتقاطِعَني السيدة “حياة ” بهدوءها المعتاد وتقول …

 

*حبيبتي الخيانة للأسف لا تستوعب هذا الفعل ،أنا فكرت كثيرا هو جعلني ممتنة له كل حياتي محاولةً تعويضه عن تضحيته ،تخيلي أنتِ كيف ستكون حياة رجل تظن زوجته أنه ضحى لأجلها ،لم يكن يريد خسارة هذا وبالوقت نفسه لم يفرِط بحقه بأن يكون أبــًا وزوجًا لامرأة ثانية ،ولكي يُرْضِي كل الأطراف

بنظره ، أنا حصلت على نسخته المزيفة المخادعة بالمقابل هي أخذت كل شيء كتب لها ولأبناءها بيتي وكل ما بنيناه سويًا وحرمني حتى من سقف يأويني كنوع من الاعتراف الضمني لها بأنِّي لا أساوي شيئا حتى بقلبه ،لهذا كانت راضية ،

وسكتت لسنين ، أتذكر أنني كنت أدعوها لبيتي هي أولادها ، ونتبادل الحديث والطعام كانت عشرة

وجيرة سنوات …

 

**سيدة حياة كيف تحملت كل هذا هذه صدمة كبيرة ؟!

هذا ظلم وعذاب وخيانة …و

 

*ليست صدمة هذه كذبة كبيرة ، دفعت ثمن سذاجتي ،حبي ،غبائي ثقتي العمياء ماكان يجب أن أقبل أن أكون تحت رحمة معروف أو مَنِّيَةْ أحد عشت تحت هذا القيد طوقت بجميله عنقي حتى اختنقت ، وأنا أتحمل وزر قراري

 

هذه قصتي وهذه النهاية .

 

حملت عبىء هذه القصة قصة “حياة” وعدت الى بيتي شعرت بالضيق والوجع

كيف لها بكل هذا الهدوء ، كيف تقبلت كل ما حدث لها ، هل الطيبة وزر ، هل الثقة خطيئة بهذا الزمن ،قضيت يوما صعبا

و قبل وقت مداومتي ذهبت للدار كان يجب أن أرى السيدة “حياة ” سألت عنها أخبروني أنها لم تغادر سريرها لأنها أحست بتعب ،والأمر كان مُتَوَقَعًا ، دخلت عليها لألقي التحية بلطف وأنا أتهِمُهَا بالكسل والتمارض وأفتح شباك الغرفة ،ليقابلني صمت أرعبني مددت يدي الى فمها لأجده خاليا من الأنفاس …!

أسلمت الروح “حياة ” بعد مغادرتي

لها بتلك الليلة ماتت هادئة كما عاشت بهدوء وتركت بقلبي

فراغا وجرح قصة طوَّقَها قيد الجميل حتى الموت .

 

النهاية

مقالات ذات صلة