المقالات والسياسه والادب
مخاض عقيم لنخبة تأرجحت بين مغبة الفكر وتقلقل الهوية في الممر الثالث والثلاثين

بقلم/ محمد جابر
كاتب صحفي
ولجت إلى الممر الثالث والثلاثين وخاطري يخابرني أيعقل أن يكون هذا الممر هو ضمير النخبة ومحراب المثقفين فإذا بي أراهم يرتدون شعارات المعرفة ولكنها خاوية من الجوهر وصدى الكلمات يعلو ولكن بلا أثر
كان حلما يراودني أن يكون هذا الممر منارة فإذا به مرتع للصراخ النخبوي وادعاء العمق وتضخم الذات تحت مسمى الوعي البديل لم أجد مقاعد للفكر بل دوائر جدل عقيم ونقاشات أشبه ببرامج التوك شو الرديئة اختلفت فقط في المفردات وبعض البروتوكولات لكنها تطابقت في الابتذال
جلست أراقب هذا الممر كثيرا أبحث عن وجه أعرفه من زمن الفكر الرصين تساءلت منذ متى أصبح التجريح الفكري فضيلة
متى تحول المثقف من حامل رسالة إلى ناقل أزمة ومتى ضاعت مهابة الكلمة بين عبث القلم وطيش الرد
لم يكن هذا الممر أقل عبثا بل بدا أكثر مرارة لأن الذين يخوضون زمامه هم من كنا نعول عليهم لترميم ما انكسر فإذا بهم جزء من الكسر ذاته
المفارقة أن وسائل التواصل الاجتماعي التي حملت الوعود بنشر المعرفة باتت تنقل لنا تفاصيل سقوط المثقف كما لو أنها كاميرا خفية توثق عورات النخبة لغة بذيئة سخرية بلا مسؤولية تصفية حسابات بأسماء مستعارة وثرثرة لا تغني فكرا ولا تشبع عقلا بجانب العديد من الأمراض النفسية
وكلما تحدث أحدهم عن حرية التعبير تساءلت هل الحرية تعني أن تفقد احترامك لذاتك
هل المثقف هو من يتحدث بلغة الجمهور أم من يعلم الجمهور لغة جديدة
لقد ابتلينا بمثقفين يستعذبون التهكم ويتلذذون بالشتيمة ويرون في التجريح أسلوب نقد وفي الابتذال تجديدا للخطاب
المثقف الذي كنا نراه عابرا للقارات الفكرية صار هنا أسيرا للتفاعل اللحظي. يكتب لا ليقنع بل لينتشر…. ينشر لا ليعبر بل ليلتحق بالترند
أيها القابعين معي هنا بالممر نحن أمام أزمة أعمق من تردي إعلام أو انحدار مهرجانات أو كرنفلات نحن أمام سقوط المرجعية حين يتماهى المثقف مع الجاهل ويضيع الفرق بين الفكرة والشتيمة وبين الصدق والضجيج بين الاحترام والعدمية هوجائيتكم العبثية صنعت مسخا داخلكم
إن المثقف هو ضمير الأمة فمن يوقظ هذا الضمير إذا نام
ومن يحاسب المثقف إذا خان أمانة الكلمة
غادرت الممر الثالث والثلاثين بعد أن أيقنت أن التراجع في الأخلاق لا يصلحه كتاب ولا يغسله مقطع توعوي إنه يحتاج إلى وقفة ضمير جماعية إلى نخبة تعيد هيبة الكلمة وقداسة الموقف إلى فلترة دورية للقب مثقف
لم أعد أنتظر من مهرجانات الوعي أن تخلق وعيا بل صرت أبحث عن صمت نقي عن حوار داخلي عن مثقف يكتب يتلفظ بهجاء يشبع الروح لأنه يؤمن بالكلمة



