أضغات وطن وهوان وعي بردهة الممر الواحد والأربعين

- أضغاث وطن وهوان وعي بردهة الممر الحادي والأربعين
بقلم / محمد جابر
كاتب صحفي
أدركت أن الممر لم يكن اختبار نجاة بل اختبار وعي وأن من يعبره لا يسأل عن كيفية عبوره فالكل يمر ولكن يسأل عن كيف نجح في أن يبقى إنسانا
هنا تعاد نفس المسرحيات بنفس الوجوه وتتغير الأدوار لكن الجرح لا يزال ينزف على مهل بينما سماسرة معايير المواطنة ومقاييس أداء الانتماء يقيسون نبض المواطن بالفاتورة
لم يكن مجرد ممر بل مجاز لوطن يدور حول نفسه وطن لا يسأل أين أخطأ بل يخلق أعذارا لمزيد من السقوط
كلنا نعلم أن ما يحدث ليس مجرد خلل إداري أو أزمة اقتصادية بل هو نزيف أخلاقي يجعل الإنسان رقما في سجلات اختلفت مسمياتها إلى أن يصل إلى سجل الممات
سكتنا جميعا وكان الصمت أكثر صدقا من أي حوار وأشد تعبيرا من كل منابر التصفيق
احتاجت إحدى الصديقات لجراحة عاجلة قيل لها في المستشفى العام انتظري شهرا على الأقل وفي الخاص ادفعي الآن اختارت أن تستدين لأن الوجع لا ينتظر ولا يتأخر ولا يفهم قوائم الانتظار
في المستشفيات الخاصة كل شيء محسوب حتى وإن تخيل عقلك للحظة أنه اللامعقول فهو أيضا مسجل في الفاتورة وتدفع ثمنه وتحاسب عليه وربما تعتذر للطبيب عن ألمك لأنه خارج للحدود
الصحة أصبحت تجارة صريحة حتى الألم صار له تسعيرة وفي الحكومة ينتظرك الطابور وفي الخاص يسبقك رقم حسابك البنكي
خرجت إلى الرصيف كانت المقاهي تعج بالأحاديث العابرة الساسة الجدد يتدربون على نطق كلمة وطن دون أن ترتعش شفاههم وبعضهم يختبر صوته في ندوات ثقافية ليمر منها إلى السياسية ولكي يبدو واثقا أكثر من فكر لا يملكه وكأنهم ممثلون هواة في سيرك سياسي لا يضحك أحدا
وفي نهاية الممر تجمعت الوجوه ولا تزال تعكس نفس الشعارات ونفس الأسى المؤجل ونفس الفكر المؤدلج وجوه من كل الخلفيات لكنها تشترك في شيء واحد أنهم أدمنوا الدوران في الممر
نهض الجميع كأنهم استفاقوا من حلم طويل لكنهم لم يغادروا بدلوا أماكنهم بدلوا لهجاتهم بدلوا تعابيرهم ومنهم من بدل معتقده أو أضاعه حتى صار بلا هوية بينما الحقيقة تقف خلف الجدار الكل يسمعها ولكنها تنتظر من يجرؤ على لمسها
جلست تحت إحدى الشاشات التي تردد نفس الشعارات وحدثت نفسي عن المسير والمواصلة فكل الممرات التي عبرناها وعر مدفوع الأجر والممر الحقيقي لا يمول ولا يبرمج ولا تكتب له خطط ولا يباركه تصريح خارجي أو دعم داخلي ولا يعلق على صدره شعارا ممولا
لماذا نبحث عن الحقيقة في ممر صمم خصيصا كي نضل العبور لماذا نكرر نفس السؤال كأننا نخشى سماع الجواب أم آن الأوان أن نوقظ أنفسنا من هذا الكابوس المريح
هنا تعالت تلك الشعارات الوطن أولا ..الشفافية نهج.. الشباب أمل الغد ..حكاية شعب ..وطن نحميه ..ونرسم مستقبله ..إرادة جيل..نهضة وطن .. شعارات رنانة تتكرر بلا طائل وكأنها موسيقى تصويرية لعرض لا ينتهي ولا يبدأه أحد تبدأ بشعار وتنتهي في فراغ لا يتجاوزه أحد
وجوه داخل أطر تبتسم بسخرية وكأنها تسخر من كل من يمر بها مؤتمرات لم تنته إلا بلافتات ووعود وصور لمرشحين بلا مشاريع ولا نية حقيقية سوى إعادة إنتاج أنفسهم لتحقيق غاية مهما كان ثمن الوصول
ارتعاشة شك تصل الأنفاس والكل يمشي مترددا لا يريد البقاء ولا يملك المغادرة كل شيء هنا يتحرك ببطء يشبه خوفا لم يشف منه بل صار التنصل من المسؤولية سمة راسخة في هذا الممر وكل من يحاول أن يواجه هذا الخوف يصبح مذنبا أو مغردا خارج السرب
انقطع الضوء فجأة كما لو أنه استسلم هو الآخر لم يعد يقوى على المجاملة أو التحمل لم يعد يرغب أن يكون شاهدا على مشهد يكرر نفسه في حلقة مغلقة لم يعد هناك ما يضاء فالأصوات باهتة والوجوه محفوظة والنهاية متوقعة
وهكذا تبدأ حكاية الممر الثاني والأربعين



