المقالات والسياسه والادب

‏طفلة على أطلال الذاكرة

 

‏بقلم الكاتبة إيمان نجار 

‏تمشي الصغيرة بثوبٍ ممزق، تحمل دميتها بيد، وباليد الأخرى صورة بلا ملامح.  

‏تسأل الغرباء بصوت خافت:  

‏”ما شفتوا ماما؟ بابا؟ كانوا هون، قدّام البيت اللي كان فيه باب…”

‏يمر الوقت، والبيوت تتهدّم من الذاكرة كما تهدّمت من الأرض.  

‏تبكي… لكن ليس بصوت،  

‏الوجع عند الأطفال لا يُسمع، فقط يُرى في العين.

‏تجلس على حجر وكأنه أريكتها القديمة،  

‏ترسم بالتراب دائرة وتقول:  

‏”هاي غرفة ماما… وهون المطبخ، وهون كان باب بيتنا يرن.”

‏تخبّئ فتات خبز في جيبها،  

‏وتهمس لدميتها:  

‏”إذا إجوا ما لازم يجوعوا، ماما بتحب الخبز المحمّص.”

‏وفي الليل…  

‏تغني أغنية مشوّهة من ذاكرة بعيدة،  

‏وتحكي قصة لا تنتهي،  

‏كأنها تنتظر النهاية السعيدة التي لا تأتي.

‏ما زالت تجلس كل صباح على ركامٍ يشبه عتبة،  

‏ترتب شعرها بأنامل متسخة، وتهمس:  

‏*”إذا إجوا وشافوني هيك، رح يزعلوا…”*

‏ترفع رأسها للسماء، وتضحك:  

‏”بابا قال لما الشمس تطلع، رح نرجع نزرع الورد… بس ما طلع الورد.”

‏وحين يمرّ الناس من حولها،  

‏ينظرون إليها بشفقة،  

‏يريدون قول الحقيقة… لكن أيّ فم يملك قلبًا يكسر طفلة؟  

‏فيتركونها هناك،  

‏تنتظر على أطلال بيتٍ لا وجود له،  

‏وأحبابٍ لن يعودوا أبدًا

مقالات ذات صلة