المقالات والسياسه والادب

أمي قصة كفاح لاتنتهي

كتبت ا. سبيله صبح

عندما فتحت عيناي على الدنيا لم أرى غير وجه أمي، فقد رحل أبي قبل أن أتجاوز عامي الثاني، لم تكن ملامحه قد حُفرت بعد في مُخيلتي، ولم أُكَوِّن معه ذكريات ،لم أنطق منذ وعيت على الدنيا كلمة أبي مثل باقي الأطفال، لم أُدرك مرارة فقده، ولا لوعة فراقه، كل ما أذكره هو ماكانت تقصه علينا أمي من حكايات ومواقف لأبي رحمه الله ، وكيف أنه كان رقيق القلب، عطوف علينا ، يحنو علينا كثيرًا، وكيف كان حبه للأطفال وحنوه عليهم، وعن ارتباطي وحبي الشديد له وتعلقي به،

رسمت لأبي صورة في ذاكرتي من خلال حكايات أمي عنه، وكذلك من خلال صورة وحيدة له كانت تُزين جدار بيتنا، لم أشعر بفقده بقدر ما شعرت بعظمة أمي تلك المرأة التي تحولت بعد رحيله إلى أم وأب وسند وملجأ، أصبحت أمي قوية لا تُنكسر،.

عندما رحل أبي كانت أمي مازالت صغيرة في السن، لكنها تحمل على عاتقها مسئولية كبيرة، تحمل هم تربية خمس أطفال صغار، تعايشت أمي مع ألم فقد أبي، جففت دموعها، ولم تسمح للحزن أن يسكن بيتنا أو قلوبنا، عملت بجد ليلً نهار لتؤمن حياتنا ومستقبلنا، جعلت المستحيل ممكنًا.
كانت تعمل جاهدة لتُسعدنا، لم تستسلم يومًا أو تضعف، كانت تبني لنا حياتنا رغم كل الصعوبات والتحديات التي واجهتها،
علمتنا أن القوة الحقيقة تكمن في القدرة على تجاوز الصعاب برغم ما نشعر به من ألم، أفنت عمرها وزهرة شبابها وهي تربينا وتعلمنا وتزرع فينا الأمل، أصبحتُ مرتبطة بأمي برباط متين، وكأن الحبل السري الذي ربط بيننا وأنا في رحمها لم ينقطع بعد .
واليوم بعد أن كبرت وتزوجت، وأنجبت أدركت أني كل يوم يزداد ارتباطي بأمي وتعلقي بها وفخري بها، وبما فعلته لأجلنا،
اليوم حينما أقف أمام مرآتي أرى نتاج جهد تلك المرأة الصابرة، المثابرة، أوقن بأن مابداخلي من صبر، ومايملؤ قلبي من رحمة، وكذلك كل ما أوتيته من القوة إنما ذلك نتاج ماغرسته فينا تلك المرأة التي كانت صفاتها مزيجا بين القوة والرحمة والصبر.
**رسالة شكر لأمي**
أمي….. ها أنذا طفلتك الصغيرة، أقف أمام ضغوط الحياة ورياح القسوة بلا انهزام ولا انكسار، أواجه ما كُتب عليّ بصدرٍ رحب، وأعافر وأجاهد لِأَصِلَ لبر الامان.
أنا طفلتك التي ملأتِ حياتها حبًا ورحمة، وربيتِها على الأخلاق والمُثل، وعلّمتِها أن الله رقيب عليها في كل زمان ومكان.

واليوم، وأنا أخطو خطواتي في هذه الحياة، أحمل داخلي كل ما زرعتِه في قلبي من قوة وإيمان. كل نجاح أحققه هو ثمرة من غرسك، وكل صبر أتحلى به أمام مرار الأيام هو امتداد لروحك.

أمي.. إن كنتُ اليوم أقوى مما يظن الناس، فذلك لأنكِ كنتِ لي وطنًا حين فقدتُ الوطن، وأبًا حين غاب الأب، وأمًا لا يكررها الزمان.

أحبك أمي، وأخاف فقدك ، وأدعُو الله في كل سجدة أن يشفيك، ويطيل عمرك، ويديمك نعمة في حياتي لا تزول. فبقاؤك هو قوتي، وحبك هو سر صمودي، ورضاك هو جنتي في الدنيا والآخرة.

رسالة شكر من صغيرتك

مقالات ذات صلة